السبت، 25 مارس، 2017

الدينامية الجديدة لمجتمع الميم والتمييز الداخلي


محمد علوي

في السنوات الأخيرة ظهرت على صفحات الإنترنت دينامية جديدة لمجتمع الميم، خصوصا على صفحات التواصل الاجتماعي وأصبحنا نلاحظ ظهوراً أكبر لمجتمع الميم. هذه الدينامية فتحت المجال لكثير من الأشخاص للتعبير أكثر عن ميولاتهم الجنسية و/أو هوياتهم الجندرية، خصوصا من داخل المجموعات على الموقع الأزرق، التي توفر لهم فضاءً حرا للتعبير بكل أريحية وفتح النقاش بين عضوات وأعضاء هذه  المجموعات حول قضايا الجنسانية والجندر، والوضعية المجتمعية والحقوقية لمجتمع الميم، إضافة إلى مواضيع جانبية. هذه النقاشات في حد ذاتها وفي أصلها محمودة ومطلوبة لأنها تحفز عقولنا على طرح الأسئلة ومراجعة كل ما راكمناه منذ صغرنا من بناء مجتمعي حول نمطية الجنسانية والجندر، التي تحصر الهوية الجندرية في قطبين أحاديين هما الرجل والمرأة ولا تعترف بتعدد الهويات الجندرية، وتحصر الميول الجنسي في الغيرية الجنسية ولا تعترف بتعدد الميولات الجنسية. وقد بدأت هذه الدينامية تنتقل إلى أرض الواقع في شكل لقاءات بين عضوات وأعضاء هذه المجموعات، مما يتيح لهن/لهم فرصة الإطلاع على تجارب الأخريات والآخرين اللواتي والذين استطعن/استطاعوا  أن يتخلصن/يتخلصوا من هذه النمطية التقليدية وأن يخرجن/يخرجوا من صندوقها الذي كان يحد من حريتهم ويمنعهم أن يكن/يكونوا على سجيتهم وعلى طبيعتهم. وتعميق هذه النقاشات بينهن/بينهم، والتآزر فيما بينهن/بينهم وخلق مجتمع ميم قوي خالي من الوصم والتمييز والأحكام المسبقة والصور النمطية، وهذا كله يساعد الكثيرات/الكثيرين منهم  على التغلب شيئا ما على الترانسفوبيا والهموفوبيا السائدة في مجتمعنا سواء على المستوى المؤسساتي أو السوسيوثقافي وتمثلاتهما من إعتقالات وسجن يطالان المثليات/المثليين والمتحولات/المتحولون جندريا والأشخاص الغير نمطيين في تعبيراتهم الجندرية، في دولة متخلفة عن الركب لا زالت تجرم العلاقات الرضائية بين الراشدين سواء من نفس الجنس أو بين الغيريين (المادتين 489 و490 من القانون الجنائي المغربي) وكذلك العنف الجسدي واللفظي والنفسي الذي يتعرضن/يتعرضون له يوميا في الفضاء العام. بل وإقتحام الفضاء الخاص والتدخل في الحياة الخاصة لأفراد مجتمع الميم والتشهير بهم وابتزازهم والنصب عليهم مستعملين معلومات خاصة بهم (صور، فيديوهات، اختراق الحسابات الخاصة، تسجيل المكالمات، تسجيل المحادثات...).

ولا يمكننا ونحن نشاهد ظهور هذه الدينامية الجديدة وتطورها إلاّ أن نحمدها ونشجعها ونساهم في نجاحها واستمرارها ولو حتى بالنقد الذاتي والبناء.
إلا أنه مع الأسف لا زلنا نعاني من ترسبات ما راكمناه  منذ صغرنا من هذه النمطية التقليدية، التي خلفت فينا نوعا من الإحساس بالعار بحكم أننا شذوذ عن "الطبيعة" في نظرها. مما يولد لنا أشكالا من الوصم والتمييز الداخلي وهو الشعور بــــ الاشمئزاز والكراهية والخوف والرفض سواء نحو أنفسنا فنقع في الوصم الذاتي، أو اتجاه الآخرين الذي يظهر في بعض تصرفاتنا وفي بعض أحكامنا على بعضنا البعض داخل هذه المجموعات أو حتى أثناء هذه اللقاءات، فتَكَوَّنت لذى مجتمع الميم صورا نمطية داخلية عن التعددية الجندرية وعن تعددية الميولات الجنسية، فأصبحت تطالعنا بعض عبارات الاشمئزاز والكراهية والنعث لأشخاص غير نمطيين في تعبيراتهم الجندرية، ونسينا أنه لا توجد أية حدود أو قواعد للتعبير الجندري وأن ضابطه الوحيد هو كيف يحدد كل شخص ما يرتاح فيه من تعبير جندري، أو بعض عبارات التمييز والرفض لأشخاص اختاروا لأنفسهم شكلا معينا للحياة، ويرفضن/يرفضون إعادة الأدوار النمطية الغييريةl'hétéronormativité وكذلك الكراهية والعنصرية والإقصاء الذي يتعرض له البعض بسبب الدين، اللون، العرق، الإثنية، اللغة، السن، الموقع الجغرافي، الطبقية، الإديولوجية أو الإنتماءات السياسية، والتدخل في الإختيارات الشخصية للأفراد، محاولين بذلك تكريس صورة أحادية نمطية معينة للمثليات/المثليين، المتحولات/المتحولين جندريا، والرفض لكل من لا تتوافق/يتوافق معها، ناسين أننا كلنا نعاني في مجتمعنا ما يكفي من الوصم والتمييز والإقصاء، وأن هذا يتطلب منا وعي كبير باختلافاتنا، لمواجهة الفكر الأبوي-الغيري L’hétéropatriarcat السائد والمهيمن في مجتمعنا، والمفروض علينا بسلطة القانون، والذي يستعمل العار كآلية من الآليات المهمة للحفاظ على سيادته وهيمنته، وكذلك خطر التصنيفات التي تجعلنا بعد أن خرجنا من صندوق النمطية الغيرية l'hétéronormativité ندخل إلى صندوق آخر من الصناديق المُصَدّرَةِ إلينا والمعدة سلفا بحدود وقواعد تحرمنا من التحرر ومن أن نشغل عقولنا لفهم ذواتنا وجنسانيتنا وهويتنا الجندرية، والاشتغال على الذات للتخلص من هذا الإحساس بالعار سواء اتجاه أنفسنا أو اتجاه بعضنا البعض، و الاستمرار في الظهور أكثر باختلافاتنا واثقين في أنفسنا ومن قدراتنا وأن لا نترك الفضاء العام محتلا وحكرا على الأبويين-الغيريين L’hétéropatriarcat ومستعينين كذلك بشيء من موروثنا الثقافي والشعبي لتكريس ثقافة الاختلاف. وهذا يتطلب منا مزيدا من العمل الجاد والبحث وأن نرجع إلى تاريخنا وثقافتنا وننبش فيهما لاستخراج ما يساعدنا على ذلك وليس التنكر لهما، وكذلك مزيدا من الاجتماع والنقاش والتآزر وكثيرا من الحب بيننا.
إلى الأعلى