الثلاثاء، 10 يناير، 2017

رحلة الكوير في الزمكان و ذنب الجنس و الجندر


ليلى  المصلوحي  
عندما أتحدث عن الحركة، الأشكال والزمن؛ عندما أستحضر هذه العلاقة أستحضر ذاتي و حركتها في فضاء معين، انزلاقها و حيازتها للزمن و المكان. استحضر جسدي و تفاعلاته مع المواد المتاحة في ذلك الفضاء.
تعبير جسدي هو تعبير إنساني، جندري، سياسي و إجتماعي - إقتصادي؛ اعتبره كذلك لأن جسدي إمتداد لامتناهي في القدم و خبري الوراثي يحمل في جزيئات مادته مجموعة من الرواسب من التاريخ الحيواني - الإنساني المشترك. تعبير جسدي هو تعبير سياسي و ثقافي بالأساس لأنه مجبر ليعبر عن هويتي، عن وجودي، عن تأثراتي، عن أفكاري، عن قناعاتي و عن جندري و جنسانياتي.

في علاقة "جندري" بالمكان
خلقت في محيط تسوده الأبيسية و الذكورية، حدد جسدي في جندر و جنس معين، قيل لي أني "أنثى" لأن بين فخدي عضو تناسلي ممثل في "رحم" و عند مرحلة بلوغي برز لي ثديين و مواصفات جنسية ثانوية أخرى و كنتيجة لهذا التحديد و الإطار حددت مهامي و أفعالي و ردود أفعالي؛ و لم أحدد كوني أنثى بشكل منفصل بل مرتبط بكوني أنثى في وسط بسيط، محافظ، مسلم، مغربي، شمال - إفريقي.
على اثر هذا التحديد، مساحتي في التعبير و الحركة أصبحت ضيقة، حرية حركتي أصبحت مرتبطة بتاريخي لأنه قيل لي أني "إمرأة". فحتى وقت تحركاتي أصبح مقنن، فأخذت مساحة التعبير "للذكر-الرجل" أشكالاً أكثر حرية و علنية من مساحات التعبير "للأنثى - المرأة" أو الشخص "الكوير" عامة.
عندما رفضت هذا التحديد لحرية جسدي و عرفت بذاتي كشخص "كويري" أي متحرر من الإطار النمطي الغيري  المحدد لكياني الموجود في جندر واحد ونمط تعبير واحد في مجتمع محافظ على التقليد ورافض لكل ما هو مختلف عن النمط ؛ جردت من كرامتي الإنسانية بدعوى أن ميولي الجنسي و علاقاتي الحميمية  جريمة يعاقب عليها القانون و تعبيري الجندري و هويتي الكويرية جريمة يعاقب عليها المجتمع و القانون معاً.
كجسد كبرت في مناخ تسوده التحديدات حتى في حركات جسدي؛  فقيامي وجلوسي ومساحة صوتي و إيماءاتي أبداً لم تكن انسيابية أو تلقائية.
بل حتى بالأماكن العامة، كانت مساحاتي للتعبير محدودة؛ "العنصر الذكر" كان و لا زال أكثر حظوظاً مني في الاستحواذ على الأماكن و المساحات في علاقتها بالوقت - الزمن. فالرجل - الذكر موجود في كل زمان و مكان أما جسدي أنا  فمحدد في المكان الخاص أكثر من العام نظراً للأدوار الثقافية المناطة إلي كوني "أنثى" / "كوير"  فمكاني داخل البيت، و أكثر تحديداً في المطبخ، و بالليل تقل مساحاتي في الشارع و في فضاء العمل و الترفيه؛ نأخذ على سبيل المثال  : المقهى، الحانة، الملهى الليلي، النوادي، الحفلات الخاصة، الحدائق العمومية، الأزقة الضيقة، إلخ.

تبرير العنف و علاقة الأجساد
في حيازة الجسد للمكان و سيطرته على الآلة و تشييئه للأجساد الأخرى على أساس الاختلاف الجندري/ الجنسي فهو يعد  عنف منظم ؛ لا أقول من خلال الجسد منفصلاً بل باعتباره متصلاً بمجموعة من الأفكار العلائقية المجسدة لصور وموروث ثقافي معين.
إن إمتياز الجسد في هذه الحالة يعد محدداً أساسياً لعلاقة الشخص بالمؤسسة و الفرد فتبرير العنف في أحيان كثيرة يفسر في قوة الجسد و هيمنته  -و بما أننا نشهد هيمنة ذكورية منذ الأزل في مختلف المجالات و نقصد تجسيد  النمط الثقافي لمواصفات و دور الرجل الممثل في الجسد القوي الحامل للقضيب، الفحل، المخصب، الملتحي، ذو الشارب، السريع الغضب، المثار جنسياً و العنيف -، إلخ.  فعند غياب هذه الشروط، تغيب صورة الهيمنة و تصبح العلاقة بين أفراد المجتمع علاقة متساوية في الحق و الواجب  تسودها الثقة، المودة و المشاركة الفعالة في بناء مجتمع سليم متساو، عادل، حر و خالي من أي تمييز على أساس جنسي أو جندري.
و يصبح الفضاء العام و حرية التجول و الحركة و مساحة التعبير للجميع و يصبح الوطن ملك للجميع عوض إقصاء أفراد فاعلين إقتصادياً و سياسياً في هذا المجتمع كباقي الأفراد فقط لوجود تفاصيل مكرسة تاريخياً تعزز الفرق على أساس الجنس و الجندر و بالتالي تكرس الشرخ و علاقة القوى بين الأشخاص المختلفة  الأجناس و التعبيرات الجندرية.

لقد حان الوقت إذاً لشغل الفاضاءت العامة و الخاصة من قبل أفراد تؤمن بهويتها التعددية الجنسية و الجندرية بدون خوف لأن الفضاء للجميع و لأن الميول الجنسي والتعبير الجندري مسألة خاصة و حميمية و مرتبطة بالأفراد و هن/هم الأحق في إختيار التعبير عنها خلصة أو علانية  بالطريقة المثلى المناسبة لهن/لهم. و حجاج الحفاظ على الهوية المغربية، حجاج واهي لأنه حسب الدستور فالهوية المغربية هي هوية شاملة، جامعة متعددة لغوياً، ثقافياً، و بالتالي جندريا و جنسياً لأن الإنسان خلق حراً و لا يمكن لمكان ما أن يقيد حرية إنسان في الحركة و التعبير و لا مجال لقوانين تمييزية في بلد يؤمن بالديمقراطية.                
إلى الأعلى