الثلاثاء، 10 يناير، 2017

مثلي صالح- مثلي سئ




رامي يوسف


لا أعلم كيف تعمل الأشياء، لكن لطالما شغلني الأمر كثيراً. لا أعني الأشياء المادية كأجهزة التحكم (التي مازلت أجد صعوبة في استخدامها) و لكن المواثيق المجتمعية وطرق تسيير العلاقات بين البشر وبعضهم. كيف يتعامل البشر مع بعض؟ لابد وأن يكون هناك نوع من النظام، هذا ما قيل لنا بشكل يومي في فترات انتظارنا لإشارات تخبرنا متى نتحرك و متى نتوقف، و في المدارس حيث نذهب نسمع وجهة نظر الحكومات فيما يجب أن نسمع. كل هذه الأشياء وغيرها كُثر دليل على وجود نظام يسيرنا جميعاً.

أتساءل أحياناً عن دوري في هذه المنظومة. دوري ودور آخرين وأخريات. أعتقد أنه من العدل إدعاء إننا جميعاً نعمل بشكل ما في هذه المنظومة و نعيد إنتاج بعض من عناصرها، التي تضمن استمرار هذا النظام الذي مازلنا نحاول أن نفهم طريقة عمله.

أؤمن أنه يتم إملاء كل تفاصيل حياتنا علينا، بطريقة أو بأخرى. النظام له أفرع، مقاومة النظام أحياناً جداً تكون جزءاً من النظام، أياً كان المصدر الذي تستشف منه إلهامك في الحياة أو أسلوب المعيشة فهو مدفوع عليك بشكلِ ما. التليفزيون يخبرك، الشوارع، الألوان، الأقارب، رفاق النضال، الجميع يخبرك بشئ ما أحياناً دون كلام، و كذلك يسمعون ذات الأشياء من خلالنا و من خلال آخرين.

العالم يستخدم المجتمع المثلي. هناك ثمة قرار عالمي أن المثلية الجنسية ستكون موضوع البشرية لهذا القرن، و أنها إضافة تضمن للعالم نوعاً من التلون التافه النوايا، و تعطي المجتمع المحافظ شعور إن هناك تطور في المجتمع، يمكنك أن تراه وتلمسه دون أن يؤثر جذرياً على القيم التي تؤمن بها. أن العالم مكان جميل يتطور بإستمرار، و ترى حولك الألوان و الأنواع في الأُطر المخصصة لهم. هنا ترى الملونين المندمجين ذوى البسمات الثاغرة و البذلات الفاخرة، و هناك ترى مجموعات من البشر بملابس متشابهة و شخصيات واحدة تؤدي مناسك "الفخر" بعملية إعادة التدوير المجتمعي للمثلية الجنسية لإستخراج منتج مطابق لمواصفات النظام.

يخبروننا أن أمامنا اختيارين، أن نكون هؤلاء القابعين في الأقفاص، لضمان إستمرارية النظام و تطبيع الإحساس الزائف بالتمدن. أو نكون "الآخرون". نكون هؤلاء الذي يصفهم المجتمع بكلمات مثل: "إرهابي، تشاؤمي، غاضب، سلبي، إلخ". الناتج غير الصالح وغير المتناسق مع النظام.  

النظام يضمن مصلحته بالأول و الأساس، و بالتالي لا يمكن التسامح مع فئات عدة. ببساطة، النهايات السعيدة و الحكايات الحلوة جزء من النظام، الحصول عليها غير مجاني. تعلم جيداً شكل النهايات السعيدة، فقد رأيتها مراراً في شاشات التليفزيون وعن ألسن الناس. نشأت بداخلها حتى صارت جزءاً من تكوينك، أمراً لا يقبل الإنكار. و لكن النظام يشترط أن تكون بشكل محدد، إبتسم، إشرب هذا و إرقص، إرتدي هذه الثياب اليوم لأنك سعيد بالنظام، تزوج هذا، و مارس الجنس مع هؤلاء.

لا تعترض كثيراً، لا تنتقد سياسات النظام في الحفاظ على استدامته، لابد أن نخسر بعض البشر لأنهم غير مناسبين لخطة النظام. وجودهم في هذه الأماكن هو شغل غير مبرر لمكان يمكن أن يشغله فئة أفضل وأكثر استنارة و متسقين مع النسيج العالمي.

لا تعترض كثيراً، لابد من بعض العنف، لابد أن نضحي بجزء من شعوب تشبهك في لونك، لأننا لابد أن نثبت سيادة النظام وإلا ستعم الفوضى. لابد أن نخلق تصنيف محكم يستثنى البعض بالفطرة من الإنضمام إليه. مجتمع الم.م.م.م. -أو أي مسمى آخر- يمتلك الفرصة و رغبة النظام، بعد أزمنة من الإقصاء والنبذ. المقابل محدد، أن نقبل بإستنساخ النظام في مجتمعنا الأصغر، و أن نخلق تصنيف "المثلي الصالح" و "المثلي السئ"، و أن نخلق شكل هرمي يضمن بقاء الأخلاقيات العامة للنظام الأشمل، يضع الرجل الأبيض في المقدمة. أن نستخدم هذا التصنيف في إنتقاء بعض المختارين ليتنازلوا عن هوياتهم، و يكونوا بوابة فرض ثقافات مختلفة و إحلال الثقافة الحالية، و إرساء سيطرة النظام بشكل كامل- على عكس الظاهر، النظام هش، يعتمد بالأساس على دعم الأشخاص الذين لا يعرفون سواه، في الوقت الذي نعرف فيه جميعاً حقيقة النظام و أوجهه المتعددة سيبدأ الحراك. أؤمن بأهمية أن ندرك سرطنة تصنيفات الهوية المُصدَرة و تغلغها في نواحي حياتنا. نحن نملك من الثقافة المحلية و الفكر و الإبداع أن نخض الصراع بعقولنا نحن، و برغبتنا في معرفة و تشكيل أو تفكيك هوياتنا.

النظام يرفض الفكر و الإبداع - النظام هو كل نظام.

*فكرة عنوان المقال و روح الموضوع مستوحاة من "مسلم جيد… مسلم سئ" كتاب للمؤلف: محمود ممداني





إلى الأعلى