الأحد، 29 يناير، 2017

لماذا يجب إلغاء تجريم المثلية الجنسية؟



بنجادا محمد أمين

الفرد لا يختار توجهه الجنسي، واستمرار اعتقال واضطهاد المواطنين بناءً على توجههم الجنسي هو وصمة عار على المغرب وحاكميه.
لقد اعترف المغرب ومنذ عقود بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ووقع عليه، كما وقع على البروتوكولات والاتفاقيات المناهضة لكل أشكال التمييز المبني على الجنس، اللون، اللغة، العرق أو الدين. بل إن المغرب جعل من سمو التشريعات الدولية على التشريعات المحلية حجر أساس في دستور 2011  والذي يعد أسمى قانون في البلد.

إذا كان إذن الأمر كذلك فما الذي يجعل الدولة المغربية تتمسك بالقانون الجنائي الحالي والذي يتعارض في عدة مقتضياته مع الدستور وخاصة ما يهمنا في موضوعنا: الفصل 489  الذي يعاقب المثلي بالغرامة والسجن الذي قد يصل إلى 3 سنوات نافذة.
رغبة مني في البحث عن سبب وجيه و عقلاني يجعل الدولة في المغرب تتمسك بهذا الفصل العار على الحاكم والمواطنين، أخبركم أني لم أجد هذا السبب، وأن التبريرات التي يتمسك بها المدافعون عن هذا الفصل جد واهية ولا محل لها لا في الواقع ولا في التاريخ.
لذلك دعوني أخبركم لماذا يجب إلغاء الفصل 489 وإلغاء تجريم المثلية والمثليين إلى الأبد.

أولا: إن النظر إلى تطور المجتمعات الإنسانية يحيلنا إلى أن هذه المجتمعات التي نجحت في بلوغ مراحل متقدمة من الحضارة والسمو الإنساني ورفاه شعوبها هي مجتمعات جعلت من تحرر الإنسان بشكل عام والفرد بشكل خاص حجر الأساس في كل خطوة. فالمنحى الطبيعي والمنطقي لتطور الأمم هو منحى تصاعدي نحو تحرير الفرد وإعطائه المكانة التي يستحقها عبر الحقوق الأساسية من تعليم وصحة وشغل وسكن، وكذلك بشكل أساسي عبر منح الدولة لمواطنيها الحريات الفردية. أي الاعتراف بالسيادة الكاملة للفرد على جسده وعلى عقله وضميره، و هذا الفرد الحر في جسده باعتباره ملكا له لا لغيره وأن السيادة عليه والتصرف فيه هي من حقه وحده ولا يجوز لأي جهة خاصة أو عامة أن تنتهك هذه السيادة، اللهم إذا كان ذلك يشكل خطرا مباشرا، ملموسا ومبررا على الغير، و هو نفس المبدأ الذي ينطبق على حرية التفكير والتعبير والضمير. فإذا كنا اليوم نرفع بشكل واسع مطلب حرية التفكير والتعبير باعتبارها حقا أساسيا من حقوق الإنسان ونستنكر تدخل الدولة أو العائلة أو الفقيه في سيادة الفرد على عقله وضميره، أفليس من التناقض والغباء أن لا نقبل سيادة الفرد على جسده ؟


ثانيا، سيسجل التاريخ بكثير من العار والسخرية أن المجتمع والدولة اعتقلا واضطهدا المواطنين فقط لأنهم يختلفون في سلوكهم الجنسي، فقط لأن شابا أحب شابا ومارس الجنس مع شاب، و أن شابة أحبت شابة من نفس جنسها وأرادت الحميمة مع رفيقتها بدل رجل، سيسجل التاريخ أن الدولة المغربية كان يستفزها الحب والقبل ولا تستفزها معاناة مواطنيها وخوفهم المستمر من الاعتداء أو السجن، وسيسجل التاريخ كما سجل في مناسبات سابقة أن المثليين والمثليات هم مواطنون من الدرجة الثانية وأننا دخلنا إلى الحضارة بثوب التاريخ الممزق بالعيوب وأننا جعلنا من أنفسنا أضحوكة أمام الشعوب الحضارية ... تماما كما تجعل السعودية من مواطنيها أضحوكة أمام العالم باستمرار منعها النساء من قيادة السيارة.


ثالثا، لأن المثلي بسلوكه لا يضر أحدا لا من قريب ولا من بعيد، بل إنه شخص عادي يأكل، شرب، يفكر، يعبد، يمشي في الأسواق، يبكي ويضحك، يحزن ويفرح، يريد الجنة ويكره النار، ويؤدي الضرائب ... إنه تماما مثل أي شخص عادي فقط هو لديه انجذاب نحو شخص من نفس جنسه، بل إنه يمكن أن يكون أباك الذي تجوز رغما عن نفسه من أجل إرضاء المجتمع والدولة، وقد يكون ابنك الذي تتمنى منه كل شيء و قد ينجح في كل شيء في الحياة لكنه يحب صديقه وليس صديقته، و قد يكون أخوك الصغير أو الكبير و لكنه لا يجرء على البوح، و قد يكون صديقك الذي يحدثك عن مغامراته الجنسية لكن يستعير صيغة المؤنث ليحكي عن الشاب الذي نام معه في الليلة السابقة، قد يكون معلمك، الطبيب الذي يعالجك، الفنان الذي يضحكك، المغني الذي يطربك، السياسي الذي يحكمك، أو الإمام الذي يدعو لك أو عليك .. و قد تكون أنت... باختصار المثلي والمثلية قد يكون أي شخص عادي لكنه يعاني خوفا كل يوم، فهل ترضاه لنفسك ؟

رابعا، إن القوانين وضعت للصالح العام ولتحمي المواطنين، لا لتضطهدهم وتقمعهم، نعم المواطنين دون استثناء أو تمييز .. فبالله عليكم أخبروني ما الأذى الذي يسببه المثلي للشخص الغير المثلي؟ أو ليس العكس هو الصحيح؟ أي أن المغاير هو الذي يعتدي ويسب ويضطهد المثلي؟ و بالتالي أ فليس من المنطقي أن نجد القانون الذي يحمي هاته الأقلية من المواطنين من الاضطهاد عوض قانون يضعهم في السج ؟ ثم ماذا نجد في السجن؟ العقاب؟ الإصلاح؟ العلاج؟ في الحقيقة لا شيء من ذلك إن لم نقل هناك اغتصاب وسوء المعاملة وعنف أكبر. إذن فالسجن ليس حل... ليس حل لمشكل ليس مطروحا بالأساس.


خامسا، ليس هناك مشكل في المثلية الجنسية، إن المشكل الحقيقي هو الجهل، فالجهل بحقيقة الأمور يجعلنا نشعر بالنقص، والشعور بالنقص يولد لدينا الإحساس بعدم الطمأنينة والراحة، مما يولد لدينا الخوف. إن الخوف من المثلي أو رهاب المثلية لهو مثل الخوف من الموت، الخوف من المستقبل أو الخوف من قيادة المرأة للسيارة ... خوف غبي غير مبرر أساسه الجهل بحقيقة الأمور.
إن رعاية هذا الخوف بل وتدعيمه عبر قانون يجعل من المثلي ذلك الشخص الشرير، المنبوذ الذي يريد شرا بالمجتمع، لهو أكبر جريمة في حق الإنسانية والمجتمع. إن المستقبل والأجيال القادمة ستتذكر بفخر واعتزاز كل هؤلاء الذين ساندوا الحق ودعموه وترافعوا من أجله، ليس نصرة لقضية أو طائفة بل نصرة للإنسان بكل اختلافاته وانتصارا للحرية والمساواة في الحقوق. كما أن نفس المستقبل والأجيال القادمة يستذكرون  بكثير من السخرية والذل والعار كل هؤلاء الذين وقفوا ضد المساواة والذين لفقوا التهم وزوروا الحقائق أو تغاضوا عنها، بل سيرمي إلى مزبلة التاريخ حتى من سكت عن حق ولم يقدم المساعدة، وشارك في جريمة عنوانها : المثلية جريمة ولا مكان للمثلي بيننا.

وأنتم تقرؤون هذا المقال، تذكروا أن المثلي والمثلية مصيرهم مثل مصير العبد الأسود، والمعاق، والمريض، واليهودي، والعالم، والملحد، والمفكر ... كلهم عانوا من التمييز والاضطهاد لسبب وحيد: أنهم كانوا مختلفين وكانوا أقلية، لكن الإنسانية تشاء أن تتقدم وتنتصر للإنسان رغم دعاة الكراهية أعداء الحرية والمساواة. إن ذلك هو جوهر الإنسان مختلف في كل شيء متوحد في إنسانيته.


في المغرب إلى متى سنظل على خلاف مع الإنسانية والتاريخ ؟
إلى الأعلى