الثلاثاء، 10 يناير، 2017

نحن لا نولد نساء ولا رجالا !


محمد العلوي

عندما نولد فإننا نولد متشابهين في كل شيء إلا في شكل العضو الجنسي وبناء على هذا الاختلاف الفزيولوجي يحدد جنسنا: أنثى أم ذكر، وانطلاقا من هذا التحديد تبدأ رحلة البناء: بناء الشخصية، بناء الجسد، بناء الدور الاجتماعي، بناء الجنسانية، وبناء التعبير الجندري، هذا البناء الاجتماعي النمطي المعياري والتقليدي هو الذي ينتج لنا صورة نمطية معيارية تقليدية عن المرأة والرجل، ومن خلال هذه الصورة  فإن المجتمع ينتظر ويتوقع أن تتمثل هذه الصورة في حياتنا اليومية، سواء على مستوى الشخصية أو على مستوى الجسد: شكله وكيف نستعمله، وكذلك جنسانيتنا وتعبيرنا الجندري، والأدوار والعلاقات الاجتماعية لكل من المرأة والرجل. فالمرأة يُتوقع ويُنتظر منها أن تكون حنونة صبورة محبة ومدبرة...، أن تكون جميلة شعرها طويل وصوتها رقيق ذات قد رشيق ونهدين كبيرين وحوض واسع حتى يسهل عليها الإنجاب، وأن تحافظ على عذريتها وأن تكون ذات ميول جنسي نمطي معياري وتتزوج وترعى زوجها وبيتها وأن تنجب له الأولاد وتسهر على تربيتهم ورعايتهم...، أما الرجل فيتوقع منه المجتمع وينتظر منه أن يكون قوي الشخصية لا يظهر مشاعره، عنيف، مسؤول وعقلاني...، طويل القامة قوي العضلات جوهري الصوت، له لحية وكثير الشعر على جسده، له ميول جنسي نمطي معياري، وأن يتزوج وينجب الأبناء ويتحمل مسؤولية الإنفاق على البيت والأبناء...، وهذا البناء الاجتماعي النمطي المعياري والتقليدي مبني بشكل هرمي سلطوي تهيمن عليه الذكورية ويغذيه الموروث الثقافي: (الدين، العادات، التقاليد...) ويضع الرجل في أعلى الهرم وينمحه السلط والامتيازات، ويجعل النساء في أسفل الهرم بلا سلطة ولا امتيازات.
لذلك فنحن لا نولد نساءً ولا رجالا وإنما نولد ذكورا وإناثا ونُبنى اجتماعيا نساءً ورجالا، ويشكل هذا البناء الاجتماعي النمطي المعياري والتقليدي ثقلا اجتماعيا على كاهل الأفراد ويحد من كيانهم وحريتهم، وإذا لم يلتزم أحدنا بمعايير المجتمع فإننا نلام على نمط حياتنا وخياراتنا ونُعامل على أننا عديمي الفائدة وغير قادرين على تقديم أية مساهمة ويُبتعد عنا ويخلق المجتمع ديناميكةً تضعنا >>نحن << بمواجهة >>هم << وقد يقع بعضنا في الوصم الذاتي ونلوم أنفسنا وننعزل عن المجتمع نتيجة تعرضنا للوصم والتمييز، وننغلق على العار واللوم، حتى أننا في بعض الأحيان نقبل هذا الوضع وكأنه الوضع "الطبيعي".
وعندما يحاول البعض التحرر من هذه النمطية المعيارية فإنه سيكون عرضة للوصم والتمييز سواء على المستوى المؤسساتي أو السوسيوثقافي. وتختلف درجة الوصم والتمييز حسب درجة التحرر من هذه النمطية المعيارية، وداخل كل من مجموعة الرجال ومجموعة النساء هناك مجموعات فرعية تتعرض لعدة أشكال من التمييز المركب والإضافي عن التمييز القائم على الجنس وهو ما يصطلح عليه بالنوع الاجتماعي التقاطعي والذي يكون له أسباب أخرى مثل: السن، الإثنية، اللغة، لون البشرة، العرق، الدين، الطبقة الاجتماعية والاقتصادية، الموقع الجغرافي، الهجرة أو اللجوء، الميول الجنسي، التعبير الجندري... والتي تحد من مدى حصول الأشخاص على كامل حقوقهم والمساواة بينهم في الفرص.
وفي انتظار التحرر من هذا البناء الاجتماعي النمطي المعياري والتقليدي وتحطيمه وهدم قواعده سيظل الأشخاص الغير نمطيين يعانون من الوصم والتهميش والتمييز؛ وهذا التحرر يستلزم منا نحن الكويريين أولا المصالحة مع الذات والعمل على ذواتنا ثم الشجاعة، التضامن، التعاون، التشارك، اللقاء، والنضال جميعا من أجل القضاء على كل أشكال التمييز المبني على الجنسانية والنوع والتعبير الجندري.

إلى الأعلى