الثلاثاء، 11 نوفمبر، 2014

مثليين ومهاجرين أفارقة جنوب الصحراء بالمغرب... معاناة مضاعفة


مروان محمد الحجامي

أجبرهم رهاب المثلية، والاضطهاد والعنف الذي يعانونه، إلى مغادرة بلادهم وصولا إلى المغرب، في أمل العبور إلى الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، بحثا عن الأمان والحرية والعيش الكريم. لكن سرعان ما تبخرت أحلامهم، بعدما تحول المغرب من منطقة عبور إلى منطقة انتظار دامت عدة سنوات، ليظلوا تائهين في منتصف الطريق في مواجهة صعوبة العيش ومعاناة مستمرة مع الهوموفوبيا والعنصرية.

أكتب هذه المقالة بعد أن قابلت "أشيل" بالعاصمة الرباط، وهو شاب مثلي من الكاميرون، كان ناشطا بأحد الجمعيات الحقوقية التي تعنى بالدفاع عن حقوق الأقليات الجنسية بالكاميرون، قبل أن تقوده الهوموفوبيا إلى مغادرة بلده.

معانات في البلد الأم
"في الكاميرون الحياة صعبة جدا، خاصة إذا كنت مثلي الجنس؛ ليس لديك الحق في عيش حياتك الجنسية حتى في السر. فالكل هناك منشغل بحياة الآخرين ومراقبتهم" يقول أشيل، متحدثا عن حياة المثليين في بلده، قبل أن يضيف أنه "في مكان الدراسة مثلا إذا لاحظ الأستاذ أن لديك حركات ومشية مختلفة عن غالبية الذكور، فسيضل يتهكم عليك ويضطهدك طوال الموسم الدراسي، ونفس الشيء في مكان العمل فبمجرد أن يستنتجوا أنك مثلي من هيئتك، يتم طردك من العمل" يقول أشيل.
المثليون في الكاميرون يجتمعون فقط في أعياد ميلاد بعضهم البعض، ليتشاركو لحظات الفرح في السر، أشيل كان واحدا ممن يحظر هذه الاحتفالات قبل أن تتم مداهمتهم من طرف الشرطة في شهر أبريل 2005، ويتم الحكم عليهم بخمس سنوات سجنا نافدا. "الزنزانة كانت ضيقة ومكتظة بالسجناء ومتسخة جدا، وقد توفي أحد أصدقائي المثليين هناك جراء عدم تلقيه للعناية الطبية عند إصابته بإحدى الأمراض المتنقلة داخل السجن" يسرد أشيل متحسرا.
بعد قضاء عقوبته السجنية، انضم أشيل إلى أول جمعية للدفاع عن حقوق المثليين بالكاميرون، وكان يشغل العلاقات الإعلامية داخل الجمعية. عمله في قضايا الأقليات الجنسية كلفه بداية خسارة مهنته في البنك، قبل أن يدفعه لاحقا إلى مغادرة البلاد خوفا من تهديدات الشرطة باعتقاله وعنف أسرته التي عاش معها الأمرين بعد اكتشافها لحقيقة ميوله الجنسي.

المغرب، محطة انتظار قاسية
غادر أشيل الكاميرون، بحثا عن مكان آمن ليعيش فيه بسلام بعيدا عن الأحكام المسبقة والعقوبات القانونية القاسية ضد المثليين، مر بنيجيريا ثم الجزائر وصولا إلى المغرب، في انتظار محاولة العبور إلى الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط. لكن ما واجه الشاب المهاجر بالمغرب لم يكن أرحم مما كان يعيشه ببلده.
"عند وصولي لمدينة وجدة تعرضت أنا وصديقي للاغتصاب وسرقة كل حاجياتنا من طرف مغاربة ومهاجرين أفارقة جنوب صحراويين آخرين، لم أعد أملك شيئا وقضيت ثلاث أيام بدون أكل" يسرد أشيل.
في المغرب كان يتعرض الشاب المنحدر من الكاميرون لمضايقات وصلت إلى العنف في مرات عديدة، حيث يقول أشيل "الحياة هنا قاسية، فبالإضافة إلى أنه لا تجد عملا لتعيش هناك السرقة والظرب الذي نتعرض له كل فترة والمضايقات اليومية من طرف بعض المغاربة خاصة عندما يستنتجون من هيئتنا أننا مثليون".
معاناة المهاجرين المثليين من أفارقة جنوب الصحراء بالمغرب ليست مع المواطنين فقط، بل حتى مع البوليس، فقد اعتقل بعض أصدقاء أشيل من ساحة جامع الفنا بمراكش لاشتباه الشرطة بمثليتهم، وأجبروا على توقيع محاضر الشرطة التي كتبت بالعربية بدون أن يفهموا ما تحتويه، وحكم عليهم بأحكام سجنية تتراوح بين 4 و6 أشهر سجنا نافدا.
الشرطة لا تقبل أيضا حماية المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء من أي عنف قد يلحقهم إذا كانوا يتواجدون في المغرب بشكل غير شرعي، ما يجعلهم فريسة جادبة للصوص والمعتدين.
لاجئ مثلي بالمغرب!
حاول أشيل العبور إلى الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط ثلاث مرات عبر ميناء طنجة بشكل غير شرعي. لكن كان يتم القبض عليه في كل مرة من طرف السلطات المغربية، ليقرر أخيرا عدم تكرار الأمر.
"قبل أسابيع توفي صديقين مثليين وصديقة أخرى مثلية غرقا عند محاولتهم العبور بحثا عن الحرية والقبول والكرامة، لكن الحظ لم يسعفهم وحكم عليهم القدر بالموت غرقا، فقررت بعد هذه الحادثة التي أحزنتني كثيرا ألا أعيد محاولة العبور بهذه الطريقة مرة أخرى" يقول أشيل يائسا.
بعد أن تلاشى حلم أشيل في العبور إلى أوروبا والتي يتخيلها بعض المهاجرين كالجنة ويصدمون هناك أيضا بواقع قاس، قرر أشيل الاستعانة ببعض الجمعيات التي تعنى بمساعدة المهاجرين والتي وجهته إلى المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالمغرب، لطلب بطاقة لاجئ. وتقبل هذه الأخيرة طلبات اللجوء للفارين للمغرب بسبب الاضطهاد على أساس الميول الجنسي ببلادهم، رغم أن العلاقات المثلية مجرمة عبر المادة 489 من القانون الجنائي المغربي، ويرجع قبول مفوضية اللاجئين لطلبات اللجوء على هذا الأساس لكونها تعمل بشكل مستقل عن السلطات المغربية، لكنها في المقابل تنصح اللاجئين المثليين الذين قبلت طلباتهم بأن يعيشوا حياتهم العاطفية والجنسية سرا، بسبب طبيعة المجتمع الذي يتواجدون فيه.
يختم أشيل سرد قصته بكلمات أمل وإيمان بأن للطبيعة حكمتها في كل ما يعيشه.





إلى الأعلى