الأربعاء، 29 أكتوبر، 2014

الخروج من الخزانة، هل نحن فعلا في حاجة لتقاسم سر مثليتنا مع محيطنا؟



هو سر كبير نحمله معنا منذ طفولتنا، ندفنه في أعماق روحنا خشية من سطوع نوره اللافح لملامح أقربائنا وأصدقائنا. أكيد أن ثقله يرهق كاهلنا، فنرغب تارة في تقاسمه مع أقرب الناس إلينا طمعا في تفهمه وتقبله لنا ونتراجع تارة أخرى خوفا من نفوره، فنظل حبيسين لأفكارنا، نصارع كل يوم الرغبة في البوح والخوف من ردة الفعل.
الخروج من الخزانة هي عبارة تعني البوح الطوعي للأشخاص بميولاتهم الجنسية، وتستعمل بين أفراد المجتمع المثلي باعتبارهم الأكثر تحفظا على ميولاتهم الجنسية والجندرية، لكنها قد تستعمل أيضا بين الأفراد اللذين يتبنون أفكارا سياسية أو دينية مخالفة لما يسود في محيطهم ومجتمعاتهم.
ويعتبر 11 من أكتوبر "اليوم العالمي للخروج من الخزانة " ويخلد منذ سنة 1988 بعد سنة من مسيرة قام بها متظاهرون مدافعون عن حقوق LGBTI في واشنطن. وعرف التاريخ العديد من المشاهير والشخصيات المعروفة التي قامت بتلك الخطوة الجريئة، ويعتبر Karl-Heinrich Ulrichsأول شخصية عامة قامت بالخروج من الخزانة بشكل علني وذلك سنة 1869، وهو قاضي وصحفي ألماني عرف بنضاله ودفاعه عن المثليين من خلال كتاباته وأيضا بمطالبته في مؤتمر الحقوقيين الألمان في ميونخ بحذف المادة 715 المجرمة للفعل المثلي آنذاك. ومن بين الشخصيات العامة الأكثر تعرضا للمشاكل في حالة الخروج من الخزانة، نذكر فئة الرياضيين وخاصة الذكور منهم، وربما يعود ذلك للحزازات أو عدم الراحة لبعض الاحتكاكات اللاإرادية التي يمكن حدوثها في بعض أنواع الرياضات، مما دفع العديد من الرياضيين تأجيل هذا الموضوع إلى حين انتهاء مشوارهم الرياضي، الأمر الذي فعله لاعبا كرة القدم الأمريكي Robbie Rogersوالألماني Thomas Hitzlsperger تفاديا لما حصل مع اللاعب الإنجليزي Justin Fashanu الذي تعرض لانتقادات وهجوم حادين من طرف الجمهور ونكران من طرف أخيه والاستبعاد من التدريبات مما اضطره لتغيير النادي أربع مرات.
هل نحن فعلا في حاجة لتقاسم هذا السر مع محيطنا ؟ هل مجتمعنا مستعد لتقبل أو مناقشة هذا الموضوع ؟ والبوح بهذا السر هل هو تهور أم خروج من الخزانة ؟
قد يعتبر البعض أن الخروج من الخزانة في مجتمعاتنا المشرقية و المغاربية هو بمثابة انتحار، ويفضلون العيش متخفين في ظلمة الخزانة على الخروج لنور المجتمع وتعرية روحهم لكلاب قد تنهشها وهم في غنى عن مواجهتها. يفضلون أن يحافظوا على علاقتهم بأسرتهم وأصدقائهم على أن يفسدوا كل شيء، جازمين أنه لا جدوى من الحوار نظرا للبيئة التي يعيشون وسطها، ومتأكدين من أن النقاش سيكون عقيما. بل أكثر من ذلك فهو لن يخلف سوى تشنجات وتضاربا في الأفكار يؤدي في أغلب الأحيان إلى رفض ونكران هذا الشخص من طرف عائلته أو هجرة أصدقائه له، أو في أحيان أخرى إلى اعتباره شخصا مريضا والولوج في جلسات طبية للعلاج من مرض وهمي، مؤكدين أنهم يعلمون أن عائلاتهم وأصدقائهم يحبونهم ويقدرون كل الصفات الحسنة فيهم، لكنهم حين معرفتهم بمثليتهم كل المقاييس ستتغير وحتما ستسوء العلاقة بينهم. وهذه الفئة من المثليين الرافضين لفكرة الخروج من الخزانة يعتبرون أنفسهم في غنى عن كل تلك المشاحنات والمشاكل ويفضلون وضع حاجز بين عائلاتهم ومثليتهم، ويبقى السؤال إلى متى ؟ سؤال يتمنون ألا يجبروا على الإجابة عنه، و البعض الآخر يترك الإجابة للصدفة. يفضلون عدم اتخاذ المبادرة لكنهم إن أجبروا عن الإجابة فهم لن ينكروا، معتبرين الميول الجنسي شيئا خاصا بالفرد لا دخل لأحد فيه، فكما أن المغايرين لا يجعلون من ميولهم الجنسي ورقة تعريفية لهم، كذلك يجب أن يكون الحال بالنسبة للمثليين. هم يعتبرون مثليتهم ليست بشيء يميزهم ليفتخروا ويصرحوا به وليس شيئا دونيا حتى يخجلوا منه أو يخفوه.
بعضهم مضطر والبعض اختار ذلك، فضل الوضوح في حياته الأسرية والعملية باعتبار أن الشخص الذي لا يتقبله هو المخطئ  وما عليه سوى الخروج من حياته بهدوء وإن كان أقرب الناس إليه. فوجوده الطبيعي لا يؤدي أي شخص آخر، لكن رفض الآخر له هو حد من وجوده، يعلمون جيدا أنه ليس أبدا بالأمر الهين لكن حرب الوجود تستحق العناء. لكل منهم طريقته للقيام بذلك، وكل منهم تعرض لمواقف مختلفة، منهم من يقوم بجس النبض ومحاولة معرفة الآخر تدريجيا، بعدها يقرر إن كان هاذا الشخص مناسبا لتأمينه على سر مماثل وإخباره على انفراد. وأيضا هناك من قام بذلك بشكل علني على مواقع التواصل الاجتماعي مما خلف ردود فعل مختلفة بين متقبل ومتفهم ورافض ومهاجم.
نحن لسنا حالات استثنائية في المجتمع، وميولنا الجنسي لن نصرح به لكل شخص أو في أول لقاء لنا مع أحدهم، فهو ملك شخصي، لكن طالما المجتمع يعتبر الغيرية ميولا بديهيا والمثلية أقلية وحالة خاصة سنضطر للقيام بذلك، إن كان بشكل واضح أو ضمني. فقبل أن يسألونك عن ميولك الجنسي يسألونكَ عن الزواج من فتاة أو يسألونكِ عن الزواج من شاب. فكما سبق وذكرت الغيرية ميول جنسي بديهي في مجتمعاتنا. ربما نقوم بذلك لإنهاء المسرحية والتوقف عن النفاق، أو ربما لتعبنا من إخفاء كتاباتنا وخواطرنا، عن إخفاء الرسائل القصيرة التي تردنا أو نرسلها أو عن مسح دردشتنا على النت والمواقع التي زرناها... أو قد نقوم بذلك لنقول فقط : "لقد تعبت وأريد إنهاء اللعبة، أنا مثلي وطالما كنت كذلك طوال هذه الفترة التي عرفتموني وأحببتموني فيها، لأنكم كنتم ترون في شخصي والإنسان بداخلي ومثليتي شيء يخصني وحدي".
نبيل الصافي
إلى الأعلى