الاثنين، 16 يونيو 2014

هل يمكن للميكانيكيات "اللاجينية" بعلم الجينات تفسير المثلية الجنسية؟



العلماء الذين يبحثون عن جينات معنية بظهور المثلية الجنسية هم يتجهون في الطريق الخطأ، وفقاً لثلاثة باحثين من الولايات المتحدة الأمريكية والسويد. وفقا لطرح هؤلاء العلماء الثلاثة، الميكانيكيات "اللاجينية" [إنظر الملاحظة رقم ٢ في نهاية المقالة] التي تؤثر على الإتصالات الخلوية للأندروجينات (هرمونات التذكير) في الدماغ قد تُمكّن من تفسير التوجه الجنسي للبشر وتوريثه [وليس الجينات نفسها]. [الأبحاث اللاجينية تُعنى بدراسة التغيرات الوراثية الناتجة عن النشاط الجيني ولكن ليس عن التغير في التسلسل النيكلوتودي لل DNA نفسها؛ فاختلافا عن ما هو معروف عن دراسة الجينات المعهودة، فهذه التغيرات الوراثية "اللاجينية" ليست ناتجة عن التغير في التركيبة الجينية نفسها وانما يسببها عوامل خارجية اخرى]. في بحث لهم نشر في أواخر العام الماضي (11 ديسمبر 2012) في المراجعة ربع السنوية لعلم الأحياء، يقترح العلماء نموذجاً يصف ويوضح تعزيز المؤشرات "اللاجينية" التي تقود عملية التطور الجنسي عند الذكور على أنها قد تكون خلف التوجه المثلي الجنسي عند الإناث، والعكس صحيح. قدم العلماء نموذجهم لشرح كل من المعطيات التالية: أن هناك ميول وراثي لظهور المثلية الجنسية في الأسر، وايضا حقيقة أنه للآن لم يتم التعرف على جين مسؤول عن الميول المثلي.

تقول مارجريت مكارثي "أن النظريه مثيرة جدا، وتطور جديد مثير للاهتمام ومعقول"، مكارثي، عالمة الأعصاب في جامعة ماريلاند وتدرس كيفية تأثير الهرمونات على نمو الدماغ. هي لم تشارك في إنتاج النمودج، ولكن قالت محذرة "أنه حتى الآن النظرية غير مثبتة بأية بيانات".

بالفعل، أندريا سياني، وهي عالمة في علم النفس التطوري في جامعة بادوفا، تعتقد أن هناك عدة عوامل متنوعة، بما في ذلك الجينات والميكانيكيات "اللاجينية،" التي تؤثر في التوجه الجنسي. وتضيف "أنه من من عدم الفائدة التصديق بأن هناك جواب واحد شافٍ وكافٍ لتفسير ظاهرة المثلية الجنسية ككل".
النموذج المقدم تم تطويره من قبل ويليام رايس، عالم الوراثة التطوري في جامعة كاليفورنيا، سانتا باربرا، وسيرغي جافيرتز، وهو عالم رياضيات في جامعة تينيسي، وأوربان فرايبيرغ، عالم الأحياء التطوري في جامعة أوبسالا. الفكرة أن الميكانيكيات "اللاجينية"، بدلا من الجينات نفسها، هي القوة الأساسية التي تولد المثلية الجنسية، هي فكرة نشأت عن عدة ملاحظات، قال رايس.

أولا، تبين الأدلة أن المثلية الجنسية تُوَرَثُ في العائلات. ولكن مع هذا إلا أن هناك نسبة 20٪ فقط من التوائم المتطابقة [التي تكون جيناتهم متطابقة مئة بالمئة] التي يكون فيها كلا التوأمين مثلي الجنس، قال رايس. بالإضافة الى ذلك، إن دراسات الربط الجيني (الدراسات الجينية المعنية بدراسة ميول بعض الجينات بأن تورث مع بعضها البعض خلال عملية الإنقسام الخلوي لاسباب معينة كتقاربها في الموقع على الكروموسومات مثلا، وبذلك يمكن القول على أنها "مرتبطة" وراثيا] التي تبحث عن الدعامة الوراثية للتوجه الجنسي لم تظهر أي جينات "أساسية [أو بارزة]" مسؤولة عن المثلية الجنسية. "وهذا جعلنا نشكك بأن هناك شيئا عدا عن الجينات يؤدي الى توريث هذه الظاهرة". الميكانيكيات "اللاجينية" هو مرشح مناسب.
ويركز هذا النموذج على دور الميكانيكيات"اللاجينية" في تشكيل كيفية استجابة الخلايا لإشارات الإتصال الأندروجينية (إشارات الإتصال الأندروجينية هي نوع من الإشارات تتصل بها الخلايا وتفهم على بعضها من خلالها)، وهذه الكيفية هي أحد المحددات الهامة لنمو وتحديد الغدد التناسلية. ويشير الباحثون الى أن الأندروجينات (هرمونات التذكير) نفسها هي أيضا من العوامل الهامة في تشكيل التوجه الجنسي، وأن جينات متعددة مسؤولة عن إدارة وتوجيه إشارات الإتصال الأندروجينية هي يتحكم بها التعديلات "اللاجينية." هذه العلامات "اللاجينية"، هم يجادلون، من الممكن أن تورث بين الأجيال.
وكمثال على كيفية تأثير الأندروجينات على الجنس، يشير الباحثون إلى الفتيات اللواتي لديهن تضخم الغدة الكظرية الخلقي (CAH)، حيث تفرز أجسامهن مستويات عالية جدا من هرمون التستوستيرون، وغالبا ما يظهرن أعضاء تناسلية أكثر تذكيرا مقارنة بنظيرهن من الفتيات الآتي لا تتسمن بتضخم تلك الغدة، وأيضا إلى ارتفاع في نسبة المثلية الجنسية . لكن مستويات هرمون التستوستيرون في المرحلة الجنينية تكون على نفس المستوى في بعض الأحيان بين الذكور والإناث الذين يتطورون بشكل معهود، ولا يؤدي ذلك الى تذكير أو تأنيث أكثر أو أقل في نشآت أعضائهم التناسلية، مما يوحي بأن هناك شيئا آخر يلعب دوراً ما هنا.

الجواب، على إفتراضهم، هو الحساسية المتعلقة بالأندروجينات او الطريقة التي يتم فيها ملاحظت وجود هذه الأندروجينات. هناك مجموعة متنوعة من البروتينات التي يمكن أن تعدل إشارات الإتصال الأندروجينية، ويفترض الباحثون أن الاختلافات في الحساسية لهذه الإشارات بين الأجنة الذكور والإناث تساعد على توجيه تمايزهم الجنسي. رايس وزملاؤه يقترحون أن مثل هذه الحساسية قد يكون مسؤول عنها الحصول على العلامات "اللاجينية" التي من شأنها أن تجعل الإناث أقل حساسية لوجود والإستجابة الى الأندروجينتات التذكرية، وتجعل الذكور أكثر حساسية للإستجابة لهم.

تتطور مثل هذه العلامات "اللاجينية" في وقت مبكر من مرحلة النمو بالعادة، حين يتم برمجة الخلايا لتصبح متخصصة وذا نوع خلوي معين. ولكن، يعتقد الباحثون بأنه قد يمكن توريث هذه العلامات من أحد الوالدين. إن أغلب المؤشرات "اللاجينية" يتم حذفها خلال فترة تطوير الخلايا الجرثومية وبعد فترة وجيزة من عملية التخصيب لكي يتم برمجة الخلية حسب تخصصها بالمؤشرات "اللاجينية" التي تتناسب معها. ولكن إذا لم يتم مسح هذه المؤشرات "اللاجينية" المعنية بتوجيه التطور الجنسي بشكل معهود فإن الأم تستطيع أن تورث هذه المؤشرات التي تتعلق بالتطور الجنسي الأنثوي الى طفلها الذكر، مما قد يسبب ميول جنسي للذكور، والعكس الصحيح للإناث وتوريثهم تلك المؤشرات من الأب فيصبحوا على ميل جنسي للإناث، حسب نظرية هؤلاء الباحثين.
هذه الإفتراضية لم يتم دعمها بالأدلة العلمية وانه بلا شك من الصعب دراستها ويرى العديد انها قد لا تكون مهمة للبحث. ما رأيك؟

١. هذه المقالة مقتطفة عن المقالة الإنجليزية الموجودة على هذا الرابط: http://goo.gl/T3BKc

٢. تأتي كلمة "اللاجينات" من المصطلح الانجليزي (epigenetic)، ولكن هذه ترجمة خاطئة الى العربية، لأنها تدلي بإنفصال تام عن الميكانيكيات الجينية، بينما قرينها باللغة الإنجليزية لا يعطي نفس الدلالة إذ أنه مركب من كلمتين (epi) و (genetics) حيث أن مصطلح (epi) مأخوذ من اليونانية ومعناه "حول" وليس "لا". هذا يعني باختصار أن الأطروحة هنا ما زالت معنية بالجينات ولكن ما يقصده علماء الأحياء هنا أن التغيرات التي قد تورث من الأباء الى الأبناء ليس نتيجة للتغيرات في تسلسل النيوكلوتيدات الجيني المكون لل DNA نفسه وإنما في التعبير الجيني أو النمط الظاهري الخلوي، الذي ينتج عن التركيبة الجينية التحتية، أو بمعنى آخر، هي أن بعض النتائج الناشئة من ال DNA، وهي ما يسمى بهذه المقالة هنا بالمؤشرات او العلامات او الميكانيكيات "اللاجينية"، هي التي قد تكون مسؤولة عن الميول الجنسي وتوريثه، وليس التركيبة التحتية لل DNA نفسها



ترجمة: سليم بن علي
إلى الأعلى