الاثنين، 16 يونيو، 2014

قصة: غرام مثلي في القطار




 بعد يومين ممتعين مع الأصدقاء في الجزائر العاصمة توجهت إلى محطة القطار "آغا". كنت أهرول وحقيبتي الثقيلة تجعلني أترنح ذات اليمين وذات الشمال، كنت متأخرًا ولكن لحسن الحظ وصلت في الموعد أين تفاجأت بإعلان تأخر القطار بساعة عن موعده، كنت ألهث و أسترجع أنفاسي، كم أكره الانتظار. ولكن ليس بيدي حيلة، الحل الوحيد لقتل الوقت هو ممارسة هوايتي اللاإرادية وهي الحملقة في الآخرين. جلست بجانب شاب سلفي ملتحي كان يحمل أوراقًا، قاومت فضولي لكي لا أسترق النظر ولكن في رأسي براكين من الأسئلة. هل هو يقرأ الفتاوي؟ لو عرف بحقيقتي ماذا ستكون ردة فعله؟ استدرت وإذ بي أجده يراجع دروسه في الفارماكولوجيا (علم الأدوية). حمدت الله وقلت هذا السلفي يجب أن يكون متفتحًا. كان الجو غريبًا، رياح، سماء مغيمة وقطرات مطر تعلن عن الانهطال الوشيك. أحسست بالعطش فشربت من قارورة الماء المعدني. خف وزنها ومع هبة ريح تدحرجت تحت السلفي. فاستسمحته لإرجاع قارورتي. نظر إليّ ثم رجع إلى دروسه ولكن بعد ثواني قام ليغير مكانه. أظنه لاحظ قرط أذني وانتبه إلى حقيقتي فهرب فزعًا متمتمًا في قلبه أدعية بدون نهاية. استرحت لتخليته المكان وأخرجت سيجارتي لأدخنها وأتسلى بمنظر الدخان كيف تسلبه من فمي الرياح لتشكل أشكالا عشوائية قبل أن تضمحل للترك المنظر للمسافرين فأحملق فيهم ورأسي يتتبعهم ذهابًا وإيابًا. ألاحظ تفاصيل أشكالهم، هندامهم، أحاول قراءة مشاعرهم من تعابير وجوههم وأحاول التنبؤ بقصص حياتهم. روايات تشتبك في رأسي وتختلط بتعدد المارة. وأنا في خضم ذلك وإذ بعجوز تحمل حقيبة وعلى وجهها ملامح التعب. أطفأت سيجارتي وأسرعت لأساعدها، وأجلستها بجنبي. شكرتني العجوز ثم أخذت تتحدث عن قدومها للعاصمة من أجل العلاج ومعاناتها مع المرض فحاولت مواساتها وجعلها تتعايش مع مرضها والاهتمام بمتابعتها مع الأطباء. حينما اقترب موعد القطار بدأ الناس في الاكتظاظ وحين سماع صفارة القطار تقترب من بعيد الكل بدأ يتهيأ للركوب. حينما وصل القطار ساعدت العجوز في حمل حقيبتها ومع حقيبتي أخذت أترنح ووجدت صعوبة في الصعود فحمل عني مسافرًا حقيبةً وأخذت بيد العجوز لمساعدتها في الصعود، شكرنا بعضنا البعض ثم أجلست العجوز وحينما تأكدت أنها على ما يرام ودعتها وهي تدعي لي بالخير وأن أجد بنت الحلال، فقلت في نفسي مبتسما "لا بل ابن الحلال". خلعت القرط من أذني خوفا أن أصادف مسافرًا من مدينتي يعرفني فيلاحظ ذلك عليّ. بدأت أبحث عن مقعد مناسب وحينما دخلت عربة لم يكن هناك إلا شابًا جذب انتباهي لوسامته، كان يحمل جريدةً يقرأها، وبدون إدراك جلست في آخر العربة مواجهًا له جلست على مقعدي وبدأت ممارسة هوايتي وهي الحملقة. أخذت أنظر إلى الشاب وأتمعن في تفاصيل وجهه وحركاته. حينما أنطلق القطار رفع الشاب نظره بوجهتي فاستدرت بسرعة لكي لا يحس بنظراتي ولكن كنت ألاحظه بطرف عيني، حينما تأكدت أنه رجع إلى جريدته رجعت أنظر إليه. كان طويلا أبيضا بياض الثلج ذا عضلات ممتلئة مرتسمة بدقة تصرخ بالرجولة، كان وجهه كالملاك، كانت له تفاصيل رقيقة، عينان كبيرتان مع مقلتين بيضاويتين وقزحتين كبيرتين، كان وكأنه كحل عينيه بسبب أهدابه الغزيرة والطويلة التي تجعل نظراته ذبّاحة، كانت عيناه نديتين تضفي عليهما تلألؤا ساحرًا. حاجبان رفيعان مرسومان بدقة منحنيان كالهلال، مقترنان بخفة و سوداوان سواد الليل. أنفا دقيقًا وطويلًا مع خدين بارزين ورديين تضفيان عليه ملامح الحياء. كانت شفتاه ممتلئتين عليهما ملامح الابتسام ونوع من الاحمرار كأنهما شقائق النعمان تنادي بقبلات الغرام السرمدية. أسنانه مرتبة وبيضاء كأنها اللؤلؤ وسط المرجان تضفي على ثغره جمالا أخاذًا. كان شعره منسدلا يسقط على جبينه الناصع ومرة على مرة يرفع أنامله الطويلة والرقيقة ليرتب شعره بخفة و ينحِّيه عن جبينه لكن ما ينبو شعره أن يتساقط كالحرير على جبينه من جديد. قلت في نفسي هذا ليس بإنس بل هو غلامٌ من غلمان الجنة تنزّل من السماء أو جنًّا تشكّل على شكل بشر في أحسن صورة. كنت مأخوذًا بجماله وأنا أنظر إليه، تاه خيالي معه لنعش قصة حب لم ترو بعد. أتمالك نفسي بصعوبة لمقاومة رغبتي في النهوض والجلوس بجنبه لتبادل أطراف الحديث وحينما لا أقاوم نفسي وأهبّ بالنهوض أحسّ بالخوف يشلّني فتجدني مسمرًا في مكاني بدون حراك وكأن الزمن قد توقف. حينها نظر إلي ملاكي، هاته المرة سبقني فلاحظ تحديقي له، اضطربت وحولت نظري جنبا والخجل يعتريني وأحسست باحمرار يتصاعد على وجهي، كنت ألاحظه بطرف عيني لمعرفة ردة فعله وكان قلبي ينبض بسرعة وأحسست وكأنه سوف يغمى عليّ. نظر إليّ ملاكي برهةً ثم عاد إلى جريدته مع ابتسامة لم أفهم كنهها، هل سرّ بتحديقي؟ أم عرف حقيقتي وازدراني؟ بدأت الأفكار تتعارك في رأسي وأصبحت أضرب أخماسًا بأسداس لأعرف حقيقة ابتسامته ولكن دون جدوى. المثليون يتمتعون ب"الغايدار" أما أنا فليس عندي هته الموهبة لسوء الحظ. وأنا في هته الحالة وإذ بمسافر يدخل العربة وحينما سمع الإعلان عن المحطة القادمة، توقف عندي ليسألني إذا كان هذا القطار متوجه نحو وهران فقلت له بأنه قد أخذ القطار الخطأ وأن عليه النزول في المحطة المقبلة للعودة أدراجه فذهب فزعًا وهو يهرول. بعدها أحسست براحة أكبر لأسترق النظر من ملاكي وبدأت العزم في أن أبادره بالحديث، كأن أسأله عن توقيت الساعة ثم تذكرت أنه يوجد ساعة رقمية مضيئة على كلتا ناحيتي العربة فأحسست بغباء هاته الفكرة. يا ترى ما عساي أن أقول له ؟ تعاركت الأفكار من جديد في رأسي و بعنف هاته المرة وبعد أخذ ورد بيني وبين نفسي استسلمت لفكرة أن أطلب منه الجريدة لقراءتها لأنه انتهى منها وبعدها أتصرف حسب ردة فعله لكي أحاول أن أسترسل في الحديث معه لأفتح الباب للتعارف وكسر هذا الجدار البلوري الذي يحول بيننا. قمت أستجمع قواي وشجاعتي وإذا بمسافر يدخل العربة وحينما لاحظ ملاكي قال له "واش راك يا صاحبي منير، كيف حالك؟ لم أكن أعرف أنك مسافر أنت أيضا"، ثم أفسح ملاكي المكان لصديقه ليجلسا معا وحينها قلت لنفسي "ضاع مني ملاكي" وقمت ألعن حظي التعيس. حينما نهض ملاكي ليرحب بصديقه لاحظت مدى طوله ورشاقة حركاته وحسن هندامه ونعومة جلده وابتسامته العريضة التي زادت في جماله الأضعاف، عرفت أن اسمه منير وهو بالفعل منير بضياء وجهه الخلاب. ازددت لوعة واستسلمت لليأس وأحسست بالحزن والأسى. اتّكأت على الأريكة بكل ثقلي منهارًا وأغمضت عينيّ لأنام وأنسى أساي ولكن لم أقاوم مخيلتي التي أخذتني مع منير إلى جزيرة عذراء من جزر الكاراييب رملها أنعم من الطحين وبحرها أنقى من النقاء. تخيلتنا بمايو السباحة وتخيّلت جسده المفتول العضلات ونعومة جلده الذي يسطع تحت أشعة الشمس الاستوائية. يأخذ منير بيدي لنجري على الشاطئ و نحن نضحك بكل سعادة. ينظر إلي مبتسمًا وشعره الحريري يتموج مع كل هبة ريح، يتّجه بي إلى البحر لنسبح أين يباغتني ليحاول إغراقي وإذ بي أتشبث به وكم أسعد لاحتكاك جسدينا ومقاومة بعضنا البعض. ثم يقوم منير بانتشالي من البحر قبل أن أغرق فعلا، يحملني على ذراعيه والسعال يقطع أنفاسي ثم أقفز وأحاول أن أنتقم لنفسي فيهرب ضاحكًا وكل مرة أقبض عليه يستل من بين يدي برشاقة وكأنه حوري من حوريات البحر. حينما نصل إلى الشاطئ أفقد الأمل في إغراقه فأقوم برمي مياه البحر عليه فيغمض عينيه ويناجيني لأن أتوقف وحينما ييأس هو أيضا مني يبدأ بالرد علي ونقوم بمعركة سلاحها مياه البحر، نقترب من بعضنا البعض ثم يأخذني بين ذراعيه لنتوقف عن المعركة ونحن في منتهى السعادة، ينظر إليّ مبتسما وشعره المبلل ينسدل على جبينه ورقبته، قطرات البحر تنساب على وجهه و جسده الناعم . قطرات أخرى رابضة فوق أهداب عينيه متلألئة وكاسرة للضوء لتعطي أقواس قوس قزح كهالات حولها فأتيه في تلك النظرات الساحرة التي تنقلني إلى عالم وردي. يأخذني معه إلى الشاطئ لنأخذ استراحة. جلده يبدأ في الاحمرار بسبب أشعة الشمس الشئ الذي يجعله أكثر جاذبية. نجلس على الشاطئ ونستلقي لنستريح ونستمتع بحرارة الرمل التي تدفئنا بعدما نال منا برد البحر. يطلب مني أن أضع له المرهم الواقي من الشمس على ظهره فآخذ المرهم وأبدأ في توزيعه على بشرته بمساج وأترك أناملي تتحسس جسده، أحس بالإثارة لجلده الناعم وانقباض عضلاته تحت ضغطي لها. يتنفس الصعداء فأعرف أنه أخذ استراحته فيتكئ علي و يضع ظهره على صدري. فأزداد إثارةً و يداي تكمل رحلتها الاستكشافية، أبدأ بمساج ذراعيه المبسوطتين على رجليه التين بدورهما مبسوطتين على رجلاي. أبدأ بمساج صدره وشيئا فشيئا ذراعاي تحيط به محتضنا له، فيلتفت اليّ وعيناه الشبه مغلقتين تنظر إليّ بحنان، يبتسم إليّ فألاحظ خدّيه المحمرّتين من الشمس فلا أتمالك نفسي وأعطيه قبلة بلطف على خده فيلتفت إليّ أكثر و يجذب رأسي إليه بذراعه حتى تتلاقي شفاهنا ونذوب في القبلات وأحس بطعم ريقه النقي المثير، ونبقى في هته اللحظة أزلًا مع منظر غروب الشمس من وراء البحر.
كنت أبتسم مغمض العينين و أنا أتخيلنا في هته اللحظة ثم سمعت الإعلان عن المحطة التالية وحينما فتحت عينيّ إذ أجد منير يتأهّب للنهوض مع صديقه فتحسرت على حظي المشئوم وبدأت أحزن لرحيله، أتتبعهما متوجّهين إلى الباب ولكن حينما توقف القطار ودّع منير صديقه وهمّ بالرجوع، ففرحت وجرى الدم في عروقي من جديد وكان قلبي ينبض بشدة لأنني كنت أنتظر نظرته إليّ. دخل منير العربة مبتسما، سقطت عينه عليّ ثم جلس ملتفتًا إلى النافذة ليلوّح بيديه إلى صديقه. حينها أحسست بالغيرة من صديقه و نوع من الغضب من منير الذي أحسست و كأنه يتجاهلني. فقررت أن أسترجع كبريائي و أن لا أهتم به. نظرت جانبا نحو النافذة أستمتع بالمناظر الجميلة. أحيانا كنت أحس وكأن القطار متوقف والأشجار تجري إلى الوراء، سرحت بذهني و أنا أتأمل في هته المناظر مع صوت عجلات القطار الريتمية ثم أحسست بأنني مراقب وبتحديق نحوي. لم أصدق ذلك، أردت أن أتحقق من نظراته، هل هو ينظر إليّ أم إلى شئ آخر و أردت أن أباغته قبل أن يحوّل طرف عينه. التفتّ بكبرياء إلى الجهة الأخرى وفي منتصف الطريق وقعت عيناي على عينيه المحدّقتين بي وحينها طأطأ رأسه وتوارى وراء الأريكة وكأنه استلقى لينام. خفق قلبي من جديد و فقدت التحكم في نفسي و بدأت الأسئلة تلتهمني من جديد. لماذا كان ينظر إليّ؟ هل أعجب بي؟ أم كان يحدق فقد كما يحدق في أي شئ آخر؟ انتظرته أن يلتفت إليّ من جديد لأتحقق من نظراته، لكنه أطال تواريه فبدأت أيأس وأغضب من جديد وقرّرت أن لا آبه به هته المرة.
استلقيت من جديد على أريكتي و حاولت أخذ قسطا من الراحة و أنام. غفوت لم أدري كم من الوقت إلى أن أيقضني الإعلان عن المحطة التالية فأفقت ولاحظت منير ينظر إليّ بجرأة أكثر مع ابتسامة مبهمة على شفتيه. هته المرة استغرق وقتا أطول قبل أن يحول نظره. أخد قلبي يخفق من جديد وأخذت أتعرّق لأنني كنت شبه متأكد باهتمامه بي. لما توقّف القطار بدأت حركة المسافرين في النزول و الصعود، نظر إليّ من جديد و بصراحة هته المرة. فأحسست قلبي سوف ينقلع من صدري لهول الموقف. أحسسته يريد أن يبادرني الحديث وأنه ينوي النهوض نحوي ليسألني شيئًا ما، وحينما هم بالنهوض دخل رجلان العربة أحدهما يقود الآخر، هذا الأخير كان يتحدث بصوت عال، كان في عقده الرابع وكان غريب الأطوار. أجلسه مرافقه على الكرسي بمحاذاتي أين ودّعه وذهب. طلب مني غريب الأطوار أن أعلمه حينما نصل إلى محطة "مسيلة" فقلت له أن لا يقلق بهذا الشأن وأنا ألعنه في قرارة نفسي لأنه أتى في الوقت الغير مناسب ولأن منير يتردد الآن في مبادرتي.
هته المرة كان غريب الأطوار هو من يحملق في فأحسست بانزعاج، لكن قلت في نفسي أنه مجنون والمجنون رفع عنه القلم. ثم استدار إليّ وبدأ يتحدث قال لي مدينة مسيلة جميلة، فأومأت بالإيجاب دون أن ألتفت إليه. كانت نظرات الانزعاج باديةً عليّ وأنظر إلى منير الذي أجده مضطربًا. بعد برهة قال لي بصوته العالي "هل تريد زيارة مدينة مسيلة؟ إنها مدينة رائعة". بدأت أرتعب لأنني بدأت أفهم نواياه. لم أردّ عليه وكأنني لم أسمعه. استدار إليّ أكثر ثم استرسل قائلا "عندي سيارة مرسيدس، هل تعلم ذلك؟" قلت في نفسي "يا الهي، ما هته البلوة التي ابتليت بها؟" نظرت ناحية النافذة متجاهلًا إيّاه. ثم قال لي "تستطيع أن تأتي معي لكي أعرّفك بالمدينة وسوف أوفّر لك جميع وسائل الراحة". بدأ الانزعاج يتحول إلى مزيج من الغضب والخجل، خجلت من منير الذي كان شاهدًا على الموقف. لم انبس ببنت بشفة أركّز ذهني في شئ آخر لأخفف من وقع هذا العذاب وكالعادة أخذت أراقب المناظر التي تحوّلت فجأةً إلى مناظر بشعة.
كنت أحرك رجلاي بتوتر وكانت الثانية تمر كأنها ساعة لأنني كنت أحسّ دومًا بثقل نظرات غريب الأطوار الذي لم يلتفت إلى ناحية أخرى. بدأت رقبتي توجعني لإطالتي في الالتفاف إلى النافدة، وغريب الأطوار فقد الأمل في أن ألتفت إليه فقام من مكانه وذهب وجلس في الكرسي في الصف المقابل لي بمحاذاة منير. حينها أحسست بنوع من الاستراحة لأنه توارى عن ناظري وراء الأرائك. بعد برهة أخد يسترق النظر حيث يطل علي من بين الأريكتين بطريقة غريبة. فقلت "يا الهي، هذا المجنون لن يتركني في حالي". ثم قام من مكانه مرة أخرى و جلس بجنبي. وهنا طفح الكيل وقرّرت أن أضع له حدًا، قمت من مكاني، أخذت حقيبتي وطلبت منه أن يتركني في سلام. و أنا خارجًا من العربة صرخ غريب الأطوار "ألن تعلمني حين نصل إلى المحطة القادمة ؟" قلت له بعنف دفاعي "لا". ودخلت العربة المجاورة وجلست في مقعدي وأنا ألعن هذا اليوم المشئوم. أحسست قلبي انفطر، نصفه الآخر تركته مع ملاكي الطاهر منير. كنت أنتظر بفارق الشوق وصولنا إلى المحطة التالية لكي ينزل غريب الأطوار وأرجع إلى مكاني لكي ألتقي بمنير. مرّ الوقت ببطء شديد وكأنه أصبح دهرًا. كنت مضطربا وكثير الالتفات وأنظر في المسافرين الذين تبدو عليهم ملامح السكينة. حينما تم الإعلان عن محطة مسيلة تنفست الصعداء وحظّرت نفسي لتغيير مكاني، انتظرت حتى انطلق القطار مجددا لأذهب مهرولًا وحين وصلت إلى عربتي وقفت برهةً لأضبط نفسي وأعدّل من هندامي. حينما دخلت صعقت لعدم وجود منير في كرسيّه بل وجدت وجوهًا جديدة. حزنت كثيرا وجلست منهارًا وقلت "يا الهي، لماذا هذا الحظ التعيس؟" أخذت أنظر شاردًا عبر النافذة ولا أرى شيئًا، كل أحاسيسي تخدّرت ثم قمت أواسي نفسي ب"لوْ"، لو كنت شجاعا أكثر، لو لم أكن مغرورًا في كبريائي، لو لم يأتِ غريب الأطوار، لو كان منير أكثر مباشرًا... وأبني قصصًا بدون نهاية. أخذت أسترجع نظراته الأخيرة الصريحة التي أخذت بلبي فخفّف عني ذلك نوعًا ما. لما وصلت إلى محطتي لم أتحرك من مكاني حتى أعلن عن الانطلاق، فنهضت أتحامل متثاقلًا أجرّ حقيبتي ونزلت من القطار مكتئبًا. حينما بدأ القطار في الانطلاق تجاوزتني عربتي، رفعت رأسي متحسرًا نحو العربة الموالية وإذ بي أجد منير جنب النافدة، ابتسم إليّ بابتسامة عريضة ففرحت وابتسمت له، نظرنا إلى بعضنا في لحظات كانت كافية لنتبادل الاعتراف بالإعجاب وبحسرتنا على لقائنا الصامت و فراقنا المجبر. فهمت أن غريب الأطوار قد أزعجه أيضًا ما اضطره تغيير العربة. حين بدأ يبتعد عني أخد يلوح لي بيده فلوّحت له وقلبي يعتصر من الألم وحين توارى عن أنظاري سقطت دمعة حارّة من عيني لتكوي خدي بحرقة. "حبيبي منير، إلى اللّقاء في فرصة أخرى ... أو في حياة أخرى".

بقلم: سامي الجزائري
إلى الأعلى