الاثنين، 16 يونيو، 2014

إيران: حقوق للراغبين في تغيير الجنس وضياع للمثليين




"في إيران ليس لدينا مثليون كما هو الحال في بلادكم" كانت هذه إحدى التصريحات المثيرة للجدل للرئيس الإيراني محمد أحمدي نجاد أمام شخصيات وطلاب في جامعة كولومبيا في نيويورك سنة 2007، كرد على سؤال حول أوضاع المثليين في إيران. يبدو التصريح طبيعيا بالنسبة لرئيس يعتقد أن المثلية غير فطرية وأن "الدفاع عنها أمر يخص الرأسماليين الذين يفضلون تطور الرأسمال عوضا عن القيم البشرية" حسب أقوال السيد أحمدي نجاد.
لكن مقابل هذا التشدد في التعامل مع المثليين في إيران، نجد أن الجمهورية الإسلامية أضحت جنة للمتحولين جنسيا، ويجرى فيها عدد كبير من عمليات تغيير الجنس جعل البلد يحتل المرتبة الثانية عالميا بعد التايلاند في إجراء هذه العمليات.
على خلاف باقي الدول ذات المرجعية الإسلامية تسمح الجمهورية الإيرانية لمن يرغب في تغيير جنسه بالقيام بذلك. والسبب يرجع لفتوى أصدرها روح الله الموسوي الخميني، فقد تحدث في أحد كتبه سنة 1963 عن عدم وجود أي تحريم في الدين الإسلامي لإجراء عمليات تصحيح الجنس، إلا أن فتاويه لم تكن ذات قيمة آن ذاك لكونه ثائرا ضد نظام الشاه. وابتداءا من سنة 1975 وبينما هو في منفاه في فرنسا، راسله شاب كان يدعى حينها فريدون، في أمل الحصول على إذن شرعي للتحول إلى امرأة. بعد قيام الثورة الإسلامية، سجن فريدون بأحد المؤسسات وأجبر على حقن هرمونات ذكرية ثم استطاع الخروج فيما بعد بمساعدة بعض معارفه، إلا أنه وعند عودة الخميني لطهران حاول لقاءه رغم تعرضه للضرب من طرف الحرس. وفي الأخير أعطاه الخميني رسالة تبيح له إجراء العملية لتغيير جنسه إلى أنثى فسمى نفسه مريم خاتون مولكار.
استعملت تلك الرسالة لاحقا كفتوى تجيز إجراء هذا النوع من العمليات.
ويقول الخميني "إذا أراد أحدهم تغير جنسه الحالي لأنه يشعر أنه عالق ذاخل جسد غير جسده، يحق له التخلص من هذا الجسد والتحول إلى جنس آخر. بالأضافة إلى الحصول أيضا على أوراق ثبوتية جديدة وذلك لوضع حد لمأساتهم."
هذه الفتوى تم تأكيدها فيما بعد من طرف المرشد الأعلى الحالي علي حسيني خامنئي، بالإظافة إلى العديد من رجال الدين الإيرانيين.
نضال مريم خاتون وفتوى الخميني، فتحا الباب لإجراء أكثر من ألف عملية تحول جنسي لحدود السنوات الأخيرة. رقم يضاعف سبع مرات نظيره في الدول الأوروپية، جعل إيران تتبوء المرتبة الثانية عالميا بعد التايلاند في هذا المجال. ففي برنامج وثائقي عن المتحولين جنسيا في إيران صور سنة 2008، أكد الدكتور "مير جلالي" وهو طبيب جراح متخصص في جراحة تغيير الجنس ويمتلك عيادة في طهران، أنه قد أجرى ما بين 460 و470 عملية خلال الإثنى عشرة سنة الأخيرة وأنه لو بقي في أوربا، حيث تلقى تكوينه، فلن يجري سوى عُشر هذا الرقم.
تصل تكلفة عمليات تغيير الجنس في إيران إلى 7500 وتساهم الدولة بمساعدة تصل إلى نصف المبلغ عند الحاجة، كما تقدم تسهيلات أخرى كتقديم إذن بارتداء ملابس الجنس الآخر قبل إجراء العملية، أما بعدها فيستطيع الشخص المتحول أن يحصل على هوية جديدة وعلى أوراق ثبوتية تتلائم وجنسه الجديد.
ومع ذلك فإن المتحولين في إيران يعانون من نظرة المجتمع لهم، حيث يضطرون للتكتم عن ماضيهم، ويحرمون من أبسط حقوقهم فبعضهم لايستطيع إكمال دراسته أو يحرم من حقه في الشغل فقط بسبب اختلافه عن الآخرين، كما يختار بعضهم هجر عائلته خصوصا أولائك المنحدرون من العالم القروي. أما من يرتدي ملابس الجنس الآخر أو لا يستطيع تحديد جنسه، فقد يعتبر مثليا وتسري عليه نفس القوانين المجرمة للمثلية في إيران، وهي الجلد بالنسبة للإناث والإعدام بالنسبة للذكور. قوانين لازالت تطبق ويذهب ضحيتها عشرات المثليين سنويا، فحسب منظمة المثليين والمثليات ومزدوجي ومتحولي الجنس (HOMAN) تم إعدام أكثر من 4000 شخص في إيران مند قيام الثورة الإسلامية بسبب ميولهم الجنسي المثلي. رقم ضخم آخر ينضاف للرقم الأول لكن هذه المرة في عدم احترام حقوق المثليين. هذه القوانين يذهب ضحيتها أحيانا قاصرون كواقعة 2005 التي أحدثت ضجة عالمية عندما تم الحكم بالإعدام في حق الشابين محمودعسگري وعياض مرهوني بسبب مثليتهما وقد كانا يبلغان من العمر 16 و18 عند إعدامهما في ساحة عمومية بمدينة مشهد الإيرانية، بعد أن سجنا 14 شهرا وجلدا 228 جلدة بتهمة الإخلال بالنظام العام وتناول الكحول والسرقة
هذا الواقع أدى بالعديد من المثليين لتغيير جنسهم حتى يستطعون العيش مع شريكهم وإيجاد عمل دون التعرض للاضطهاد أو المحاكمة، وربما هذا ما يفسر العدد المرتفع لعميات التحول التي تجرى في إيران. يظهر ذلك جليا من خلال شهادات بعض المتحولين الذين ندموا بعد إجراء العملية، حيث يؤكد بعضهم في وثائقي "كن مثل الآخرين" أنه لولا ضغط المجتمع والقانون لما أجرو العملية. يقول "علي عسكر" قبل يوم من ذخول غرفة العمليات "لا أعلم كيف تجري الأمور في البلدان الأخرى، سمعت أن أمثالنا يمكنهم الزواج دون تغيير جنسهم... كل ما أعلم هو أن لهم حقوق... لو لم أكن مجبرا على إجراء العملية لما قمت بذلك". أما "فاراد" الذي كان يرافق علي لتغيير جنسه فقد تراجع عن التحول عاما بعد تحول صديقه علي لتجنب المشاكل التي وقع فيها الآخرون بعد العملية.
كل هذا يجعلنا نتساءل حول هوية وميول عدد كبير ممن يخضعون لعمليات تغيير الجنس في الجمهورية الإيرانية. هل هم فعلا متحولون يبحثون عن هويتهم الحقيقية، وعالقون ذاخل جسد غير جسدهم كما قال الخميني في فتواه؟ أم أنهم مثليون ضيعوا هويتهم الحقيقية تحت ضغط المجتمع والقوانين التي تتوعدهم بالإعدام؟

الكاتب: إسحاق النوري
إلى الأعلى