الأحد، 24 نوفمبر 2013

"شواذ يدعون أنهم مغاربة" بقلم سناء العاجي


بعثت إلي إحدى الصديقات في الأيام الأخيرة رسالة تتحدث فيها عن "توقيف مسيرة لشواذ يدّعون أنهم مغاربة". لا يهمني خبر المسيرة ولا يهمني إن كان تنظيمها أو إلغاؤها أمرا حقيقيا، بقدر ما تهمني العبارة أعلاه: "شواذ يدّعون أنهم مغاربة". عبارة قصيرة تحمل بين ثناياها إقصاءين خطيرين لفئة من الناس لمجرد أن لهم اختيارات جنسية مختلفة.
لطالما أزعجتني كلمة "شواذ". لماذا يصر الكثيرون على استعمال كلمة "شواذ"، ويرفضون، عن جهل أو عن تجاهل، كلمة "المثليين"؛ رغم خلو هذه الأخيرة من أي حمولة أخلاقية أو قدحية ومن أي حكم قيمة؟ أن نعتبر شخصا ما "شاذا" معناه ضمنيا أننا نعتبر أنفسنا، بالمقابل،أسوياء. أسوياء بالنظر إلى ماذا واعتبارا لأية مقاييس؟في الواقع، كل ما في الأمر أن لهذا الشخص اختياراته الخاصة التي قد ترفضها الأغلبية لأسباب دينية أو أخلاقية أو غيرها. هل بموجب هذا القياس سنعتبر المسلمين في فنلندا شواذا يجب إقصاؤهم؟ هل بموجب القياس نفسه يجب اعتبار اليهود المغاربة شواذا يجب إقصاؤهم؟ لماذا لا نتعلم قبول هذا الاختلاف، حين لا يفرض علينا هذا الشخص المختلف اختياراته الخاصة؟ لماذا نعتبر كل شخص مختلف بالضرورة شاذا عن عرف متفق عليه؟ لماذا لا نستطيع تجاوز الأحكام الأخلاقية وتقبل الواقع الذي يقول بأن المثليين الجنسيين موجودون بيننا، وموجودون في كل المجتمعات، شئنا أم أبينا؟
نقطة ثانية أزعجتني كثيرا في نفس العبارة. "يدعون أنهم مغاربة".منذ متى كانت الجنسية المغربية تنبني على معطيات جنسية؟ علينا أن نقبل بشكل نهائي هذا المعطى: الانتماء الجنسي لا يفقدنا انتماءنا لهذا الوطن. أن تكون مثليا جنسيا أو أن تعشق المنتمين للجنس الآخر، فهذا لا يمنعك من أداء ضرائبك ومن الخضوع لنفس الواجبات ومن ممارسة نفس الحقوق. بعيدا عن الشعارات الأخلاقية الواهمة، لنقلها صراحة ولنقبلها بدون رياء: حياتنا الجنسية هي جزء من حرياتنا الفردية، ما دام أحد لا يفرض على الآخر اختياراته الخاصة، ومادامت الأمور تتم بالتراضي (بما معناه رفض الاغتصاب والاعتداءات الجنسية على الآخرين). لا يمكن في أي حال من الأحوال أن نربط بين الاختيارات الجنسية للأفراد وبين انتمائهم إلى أوطانهم. من أعلن غير المثليين أكثر أحقية بالانتماء إلى هذا الوطن؟ ومن قرر، نيابة عنا جميعا، أن يمنح شهادات الانتماء والإقصاء لمن شاء؟  
إلى متى سنخاف من أن يحول لقاءٌ للمثليين جلَّ شبابِنا إلى مثليين، وأن تؤثر سهرة لمطرب مثلي على كل المغاربة ليتحولوا إلى مثليين، وأن تغيرجريدة إلكترونية للمثليين الهوية الجنسية لكل المغاربة لتنقطع ذريتنا فيما بعد؟ لقد غنى إلطون جون في المغرب ولم نشهد في النهاية تحول كل المغاربة إلى مثليين. لم نسمع بعد عن إنشاء جمعية اسمها "ماشي كيف كيف" يؤسسها، خلسة، في إحدى المدن الاسبانية، شباب مغاربة غير مثليين وجدوا أنفسهم أقلية في مجتمع مثلي (أو وجدوا أنفسهم شواذا في مجتمع مثلي!!!). لم نسمع بعد عن "شجاعة" كاتب غير مثلي استطاع أن يتحدث ويكتب علانية عن لامثليته في مجتمع أغلبيته مثلية. لم يشارك بعد شاب أجنبي مقيم في المغرب في برنامج موسيقي تلفزي، ليلقى دعم الأقلية غير المثلية…
كاريكاتور مبالغ فيه؟ ربما… لكن، ألم تُكتب المقالات وألم نَسمع الخطابات الطويلة عن الخوف من تحول المغاربة إلى مثليين جنسيين بسبب سهرة غنائية؟ ألم يطالب البعض بمنع حفل إلطون جون لأنه مثلي جنسي ولأنه سيفسد أخلاق المغاربة وسيحولهم إلى مثليين (قبل أن يتغير السبب الذي يعلل طلب المنع ليصبح مرتبطا بكون المطرب الإنجليزي أهان النبي عيسى – عذر اعتبره بعض سياسيينا أقل مدعاة للبوليميك وأقل ضررا بسمعتهم)؟
المهم في النهاية ليس إلطون جون، وهو فنان قد نحب فنه وقد لا نحبه. المهم في النهاية ليست مسيرة للمثليين سيتم تنظيمها أو إلغاؤها. الأمر ليس حتى دفاعا عن المثليين. الأمر في النهاية أكبر من كل هذا: إنه دفاع عن الحق في الاختلاف. إنه دفاع عن الحريات الفردية. إنه رفض صريح وأكيد لكل محاولة لإقصاء من يختلفون عنا في اختياراتهم وفي حياتهم. علينا أن نقتنع بأن احترام الاختيارات المختلفة للآخرين، يعطي قيمة أكبر لاختياراتنا لأنها تأخذ طابع الاختيار الحقيقي، لا الأمر المفروض. أن نحاول صنع مجتمع متجانس متشابه لا يؤدي بنا إلا إلى تزايد انفصاماتنا وكذبنا وريائنا؛ كما أنه يُفقد اختياراتنا، حتى المتشبعة منها بالدين والأخلاق، مصداقيتها، لأننا لا ندرك في النهاية إن كانت اختيارات حقيقية، أم مجرد تماهٍ مع اختيارات الجماعة. حتى لا نكون شواذا؛ وحتى لا يخلع عنا انتماؤنا لهذا الوطن. 

إلى الأعلى