السبت، 16 نوفمبر، 2013

والسماء كريمةٌ أيضاً


أحمد إيرتيان

أنا ابن هذه الأرض الكريمة، أنجبَتني مِثليّاً، ووهبتني كياني وأعضائي وحواسي، ومن خيرها ينبض جسدي بالحرية والعافية. ومثليّتي جزء مني في عروةٍ لا تنفصم، وهي جناح قويّ من أجنحة وجودي، ولا شيء في الكون سيجعل منها منكراً. أعلم هذا يقيناً. وأعلم أيضاً أنه ما من فردٍ عاش ويعيش وسيعيش في كوكبنا هذا، إلا وفي أعماقه يتحاور عددٌ لا حصر له من الهويات الشخصية والجماعية المزدهرة فيه طبيعةً، تنمو جميعها معاً، وتعمل فيه كالفريق، وله أن ينعَم في عزّها الأكيد، بما أنها –مُجتمِعةً- تمثِّل طبيعته، أو أن يسمح للغير بأن ينفّروه منها، فيراها شذوذاً، ويرى مزاياه عيوباً، ويرى عافيته طاعوناً، ويرى حلاله حراماً.

وإذا كنتُ أرى في المثلية هويّةً، أعتزّ بها، وتمنحني القدرة على محبة الحياة وإكرامها، فهي ليست هويتي الوحيدة، وهي ليست هويةً "جنسيةً" على وجه الحصر. إنها قوة تعمل في جسدي وفي كياني، وهي خيط ينظم حياتي كلها، إلى جانب خيوط وقوى وهويات أخرى، فالحياة هويتي، والأرض هويتي، وإفريقيا هويتي، والسودان هويتي، وجسدي هويتي، والإنسانية هويتي، والصدق هويتي، والمحبة هويتي، والحرية هويتي، والخيال هويتي، والإرادة هويتي، والتجدّد هويتي، والجمال هويتي، والفكر هويتي... حسناً، ربما لن أصل إلى نهاية إذا أنا مضيت في تعداد هوياتي، ولكني أذكر بعضاً منها لأقول إننا أحرار أينما كنا، وأحرارٌ مهما اضطُهدنا وحوصرنا وجُرِّمنا وقُتلنا وحُرِّم وجودنا وأُجبرنا على إخفاء طبيعتنا بل وإنكارها. إننا أحرار، وكما نعلم جميعاً؛ ليست الحرية شيئاً يُسلب ويُعطى، إنها جزء من تكويننا، نولد بها ونموت عليها، تماماً كمثليّتنا. لا شيء يمنعنا من الانطلاق سوى خوفنا واعتقادنا بأن إرادتنا مكبّلة. إننا أحرارٌ حريةً نستحقها. أحرار إلى حد أن حريتنا تفيض منا بلا حجاب حين ننتبه إليها ونعرفها، وبفضلها يتكشّف العالم حياً وجميلاً وكريماً ومبتهجاً وجديراً بأن يُبدِع فيه كل واحد منا حياته.

وأريد أن أشير هنا إلى فارق دقيق بين شكلين للحرية: (1.حرية تغمرنا ملء الجسد والكيان، ولا تُمسّ، ولا شيء ينال منها)، و(2.حرية نطالب بها ونكافح من أجل الحقّ في تفعيلها). الأولى هي الحرية الداخلية، حرية الإرادة، هذه التي أشرتُ إليها في السطور الأسبق، وهي الحرية الحقيقية، والقوة المنطلقة التي نتحرك بها نحو صيروراتنا وأفعالنا وأفكارنا وأقوالنا وأحاسيسنا. أما الحرية التي نطالب بها ونكافح من أجل الحق في تفعيلها، فهي تمثل مقداراً معيناً من حريتنا الداخلية؛ اقتطعناه بأنفسنا من باب الحرص على سلامتنا، ومراعاةً لمشاعر الأهل والأصدقاء ممن نخشى أن يسوء فهمهم لنا، وربما خوفاً من الأذى، سواءٌ أكان أذىً اجتماعياً أم تشريعياً. وحين نطالب بلداننا بإلغاء القوانين التي تجرِّمنا وتحرِّم طبيعتنا، وأن تكفل لنا حقوقنا في الحياة الكريمة، باعتبارنا مواطنين لنا ما لغيرنا وعلينا ما على غيرنا، وحين نسعى إلى تصحيح طريقة المجتمعات في النظر إلينا، فإننا نطالب بالحق في تفعيل ذاك المقدار من الحرية الذي اقتطعناه منا لأسباب لا تخصّنا. وباسترداد هذا الحقّ نتمكّن من الحياة في أي مكان من العالم دون أن تعدّ حياتنا جريمة ولا حراماً، بما في ذلك بلداننا إن شئنا. وباسترداده لا نضطرّ إلى ممارسة حريتنا في السرّ حذراً من التعرُّض للمكروه ونظرات الازدراء. وباسترداده نتمكنّ من تحرير طاقاتنا الإبداعية دون خوف. وباسترداده نتفاعل وننشر أفكارنا بأسمائنا الحقيقية، ولا نحتاج هكذا إلى التخفّي خلف أسماء مستعارة. ولكن تعطيل هذا المقدار من الحرية لا يعني أن ننسى مصدره الأساسيّ، وهو حريتنا الداخلية التي هي بحوزتنا على أية حال. يجب ألا ننسى هذا، وأن لا نسمح لأيّ أمر كان بأن يُفقدنا ثباتنا وقدرتنا على الإبداع، وتفوّقنا الذي تشهد به كل حضارات الإنسان في العالم مذ أدرك الإنسان الحياة. يجب أن نسعى إلى التفوق في دراستنا وفي علمنا وفي عملنا، وأن لا نكفّ عن تطوير معارفنا وحواسنا، مهما جرى. لننطلق يا أصدقائي. لا سيادة لأحد علينا. ولنكن جديرين بهذه الحرية الوفيرة التي تملأ جوانحنا.

أما الذين يُجرِّموننا ويُحرِّمون طبيعتنا وحياتنا فهم يعلمون جيداً أن الأرض هي أُمّنا جميعاً ووطننا الرحب البشوش، ويعلمون أن خيرات الحياة هي حقٌّ حلالٌ لنا، مثلما هي حقٌّ حلالٌ لهم، ويعلمون أن الأرض لا تلفظ أحداً من أبنائها أبداً، فهي تأويهم جميعاً وتطعمهم وتسقيهم، وبين يديها تزدهر الحياة وتثمر، وحتى حين يموتون فإنها تأخذهم إلى أحضانها فتزرعهم في جسدها بزوراً للحياة القادمة، لا فرق لديها بين هذا وذاك، فهل تبذر الأرض في جسدها مَن لا تريده أن يولد ثانيةً؟. نحن المثليون أبناء الأرض، أنجبتنا معها منذ مولدها، وها هي تنجبنا كل لحظة، وستنجبنا ما دامت شرارة الكون حية. نعم، يعلم البخلاء جيداً أننا نستحقّ الحياة الحرة الكريمة على هذه الأرض الكريمة كما يستحقها جميع الأحياء بلا استثناء، لذا لا يجرؤون على تجريمنا باسمها، فيجرّموننا باسم السماء، متنكّرين للأرض، صارخين بنا: (حياتكم حرام!)، ويستعيذون منا بما زعموه من غضب السماء علينا، وأنها أمرتهم بقطع يد الطبيعة الأرضية ما دامت تنجب أبناءً على شاكلتنا.
وإذا كانوا يفضّلون استخدام نصوص معينة من وحي السماء، فيُمعنون في تأويلها على هواهم، ويجتثّونها من سياقاتها خدمةً لتعصُّبهم وتطرُّفهم، فإنهم يتعامون عن نصوصٍ أخرى، من وحي السماء ذاتها، تحثّ على حرية الاختيار، وعلى المسؤولية الفردية، وتقرّ حقَّ الإنسان في الحياة الكريمة دون تمييز. وما مسلكهم هذا إلا من ضلالات "التطبيع" خصماً على "الطبيعة"، كما علّمَنا الماهر الجَسور ماهر الحاج. وكثيراً ما سمعنا منهم آيات الوعيد وبئس المصير، ولكن قلما تجد منهم كريماً يَذكُر النصَّ الكريم: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً)[الإسراء:84]، وإذا ذكروه أوهمونا بأنهم أعلم من ربنا (بمن هو أهدى سبيلاً). والحق أن النصوص السماوية حافلة بهذا الكرم، وحدهم البخلاء هم الذين يريدون إيهامنا بأن السماء بخيلة.

ختاماً أتقدم بتحية ودّ وتقدير واعتزاز إلى الكاتب الجَسور ماهر الحاج، صاحب الفكر الثاقب، الذي ينجز عملاً كبيراً لا نظير له بكتابه (الفتوى الشرعية في تحليل المثلية الجنسية)، ولا شكّ لديّ في أنه باكتمال أجزائه سيُحدث قفزةً إيجابية كبيرة لأحوالنا في بلاد الإسلام
إلى الأعلى