الأحد، 17 نوفمبر، 2013

المطعم!


 العنقاء المغربي
تنزع عني عقلي و تشردني, و أدور حولها  كأنني نحل, تحاول شقّ طريقها نحو ورودها الغامضة.
أكيد أنها لم تشعر بها و لا بطنينها.. لم تشعر بذلك, حتى بوجودي على مقربة من طاولتها. بيني و بينها فراغ يملئه انزلاق زحمة حادة من فضولي المفاجئ إلى تعرية هذه الأنثى, لأكتشف كيفية تقشير أفكارها و تأملاتها, إلى الضغط على زر كوامنها لتشتعل بالنور, فأبصر أبعاد و أعماق أسرارها.
يا تراه لماذا أشعر بها تتسلل إلى أفكاري و ترغمني على مراقبتها. غارقة وسط كتابها الذي يبدو عليه من مغلفه انه لرواية أو قصة أو حتى ديوان شعري, والغريب هو غيابها عن العالم من خلاله.
يهبّ عليا فضولي فلا يلمسها, أو يلمسها دون أن تشعر بأنامل هذا الفضول الذي يتحرش بسكونها. أنامل فضولي تفسخ أزرار أعماقها بصعوبة و ارتبا.
إنها لا تراني, لا تحس بي. عدم أنا حيالها.
جبال من الدقائق و الساعات حملتها على ظهري. حتى احدودبت شمسي, وتهشمت ضلوع قمري, و ائتكلت قامات أيامي, و كلها لا تقول لها شيئا.
تسند مرفقيها على الطاولة, و تغوص عميقا داخل كتابها, و لا تنظر من حولها حتى لو مرّ بقربها جيش من الذبابات و الطائرات, لن تكثرت حتى لو أعلن عن إخلاء المطعم لن تكثرت. شعرها مسدول على وجهها, و في كل مرة ترفعه إلى أذنيها, لكنه يعاود السقوط, تمنيت في لحظة لو كنت يديها ألمس شعرها و أرفعه عن و جهها في كل مرة, لكنها تظل غائبة عن الكون و أنا غائبة تماما في تفاصيلها. إذا رأتني ترى أتبصرني؟ أثير في نفسها, ما أثارته هي في نفسي؟
تجهل وجودي رغم جوارنا في هذا المطعم, ورغم ارتماء أطياف فضولي على حدودها الجالسة.
تجهل أني تركت في البيت أشخاصا يقطعون التفاح و يشعلون المصابيح بأصابعي.
تجهل أني استعرت هذا الفستان الجديد الذي البسه من جارتي لمدة يوم واحد, لأظهر أنيقة و في مستوى هذا المطعم. لعل لون حذائي غير متناسق مع لون الفستان أم أن تسريحة شعري لا تلائمني. أتلاحظ ما في هندامي من خلل و عدم تناسق؟ أصحيح أن لون اكسسواراتي و حقيبتي الجلدية غير منسجمين مع لون فستاني؟
تجهل كل هذا, وتجهل أني لم أعرف قراءة وصفة الطعام المكتوبة بغير لغتي, فتركت حرية اختيار طعام عشائي لنادل المطعم دون أن أشعر بذلك.
أشعر بخجل و أنا أكل بذوق غيري, و أضمر ذلك حياءً, لأني لا أستطيع فك رموز الوصفة و لا حتى اسمها.
و صاحبتي ماذا تأكل؟
أرى صحنها مملوءا بسلطة من الخضر المختلفة و كوب ماء, تجهل كل هذا, وتجهل فراغ محفظتي من النقود سوى المبلغ الذي سأدفعه ثمنا لعشائي هذا, و الذي أخذته من مدخرات عام, وتجهل تماما أنني سأعود إلى البيت على قدماي مسافة عشرة أحياء كبرى لمدينة البيضاء. وأعلم كل العلم أن حذائي الجديد سيتمزق في منتصف الطريق. تجهلني و تجهل كل شيء عني.
ماذا لو رفضتني, فماذا سيكون موقفي بعد ذلك؟ أجدها متمسكتا بكتابها, احسده على استحواذه ماذا لو رفضتني, فماذا سيكون موقفي بعد ذلك الكـامـل علـى تفكـيرهـا. كيف أسـتطيع أن  أصـف عينيها وهي  لم تـرفع وجههـا عـن الكـتاب, فـي غـيابها رفـض لكـل مـن فـي الـمطعم.
تأتيـها وشوشات أحاديثهم فتطردها طرد الذـباب.
ثم فـجأة تقرر أن تـمد يـدها لـكوب المـاء. فـتشرب مـنه وتسـقي عطشـها و عطـشي لـرؤيـة وجـهها  واضحـا أكـثر فأكـثر. تـسمرت عيناي نحوها لم  اشعر بـضجيـج  الصـحون  حـولــي, و  لا  بضـجيج  الـكلمـات المبعثرة,  و  كأن  العالم  سكون.  أخذت  أحدق  في عينيها و أقترب  أكثر بروحي  لملامسة  شعرها  الذي طالما استفزني  تموجه  بين  مد  و  جزر  على  شاطئ وجهها الممتلئ بسحر إناث حواء. لعينيها لون  يشبه البحر,  يشبه السماء,  زرقته  خاطفة  للأنفاس,  خاطفة , لهما بريق يشبه انعكاس أشعة الشمس على سطح المياه. ومابين حاجبيها أزوار احتجاج  على  شيء اغتصب منها, تنظر  فجاة  نحوي  فأحسها  جمعتني  ثم طوتني في نظرة, وحرارة الدنيا كلها اجتاحتني  فغرقت فـي  خجلي و  تـوتري  و  ارتباكـي,  ثـم  عاودت  ملامسة صفحات كتابها لتغرق مرة أخرى.
حضوري  عن  الدنيا  ضمير  مستتر  تقديره  هي,  تبعث  لي ذبذبات  تجذبني  شحنتها,  دون  أن  تدري  أم  أنها  تفتعل اللامبالاة   كي  تثير  في  نفسي  الفضول  أكثر.  شيء  ما بداخلي يقول لي أنها مهتمة لوجودي بقدر ما أنا مهتمة بهـا,  لكنـها  تـخفي  ذلك  بـلمسة  أنثوية  ساحرة  تـسمى الكبرياء و ترفض أن تبادلني الشعور, فلماذا إذا أشعر  كلما دخلت  إلى  المطعم  بأنها  جالسة  تنتظرني,  وبمجرد  أنها تراني تبدأ في قراءة كتبها الغريبة, ولماذا كل  هذا التأنق و الجمال, و دائما أجدها جالسة  لوحدها و لا  تنظر ناحية  أي شخص آخر سواي فكلما أرادت فعل شيء أو مناداة النادل أو التقاط ما سقط من أوراق على  الأرض,  ترمي  بعينيها  خلسة نحو طاولتي ثم تصرف النظر عن وجودي بسرعة خاطفة كأنها خائفة من أن أكتشف سرها, تمنيت لو  تطيل النظر في  عيني و لو  لدقيقة  واحدة, لكنها  تأبى  ذلك, بل  و  أشعر فـي  قـرارة نفسـي  أنـها  تـرغب  فيه  وتهابـه.  كلها  عـلامـات  استفهام تراكمت  أمام  صحوني  الفارغة  من المذاق, أتناولها  كل  ليلة تقريبا على حسب جدول مواعيدها الذي حفظته  عن ظهر  قلب.
تتسمر جثتي أمام  حضورها  القوي بكل المعاني, وأغازلها فـي سري و يخيّل اليّ أنها لم تذق العنب الأسود طوال حياتها.
وقفت لأساعد إحدى النساء في الوقوف من على كرسيها لحكم تقدمها في السن. فإذا بي  تحين مني  التفاتة إلى  الوراء,  وكان إحساسا  نبهني إلى شيء يجري خلفي, له علاقة بي و  أنا  أجهله تماما.
التفت و لشد  ما  كانت  دهشتي  من  رؤية  إنسانة لا  اعرفها  حق المعرفة,  تنهض   من  مكانها,  وهي  تبتسم اليّ  ابتسامة  غريبة
فيها شيء من الحنين.
تحركت من مكاني مذعورة و مأخوذتا بهذا الموقف, لأسعى  إليها مستفسرتا  عن  معنى   هذه  الابتسامة, إلا  أنها   تركتني  واقفة  و
مضت.. ومضت..
وتركت لي هذه الابتسامة المحيرة تفركها أصابعي, تفركها أصابعي و أتوجه إلى صاحبتي التي كانت أمامي, فلم أجد لها أثرا.

(مستوحى من نص –في المطعم- لمحمد الصباغ.)
إلى الأعلى