الثلاثاء، 10 سبتمبر، 2013

الإكتئاب والإنتحار والأقليات الجنسية العربية



الإكتاب هو مرض نفسي وبيولوجي يعاني منه الكثير من الناس على مختلف بيئاتهم واختلافاتهم ويظهر على درجات متفاوتة بين الأشخاص، يكون بعضه محتملا ولكن يؤدي تفاخمه الى نتائج مؤلمة وأحيانا مصيرية. هو ناتج عن عدة أسباب قد تكون وراثية أو محيطية أو غيرها. نحن لا نتكلم هنا عن الإكتئاب المؤقت الذي يمر به كل شخص في مرحلة من مراحل حياته لأن ذلك هو أمر طبيعي وليس باكتئاب مرضي. الإكتئاب المرضي الذي نعنيه هنا هو اكتئاب دائم في مرحلة أو مراحل من حياة الشخص تؤدي به الى تعطيل وظائفه الحياتية لدرجة غير صحية، والانعزال عن الناس والنشاطات الإجتماعية وغيرها وقد يصاحبه تفكير بالإنتحار أو القيام بذلك أو غيره.

 يتم علاج الإكتئاب الحاد بوسائل عدة من ناحية سلوكية نفسية او عن طريق الأدوية والعقاقير المضادة للإكتئاب أو بطرق العلاج الطبيعي وغيرها. ولكن من أشهر الطرق لعلاج الإكتئاب المزمن هو العلاج عن طريق العقاقير وخاصة تلك العقاقير التي تؤدي الى رفع نسبة النشاط الكيميائي لمادة السيرتونن بالدماغ. السيرتونن هو ناقل عصبي تم ربطه، وعدد من الناقلات العصبية الأخرى، الى شعور الإنسان بالسعادة والفرح عند إفرازه واستخدامه البيولوجي بشكل طبيعي في الجهاز العصبي ويدلل نقص إفرازه أو عدم القدرة على استخدامه بشكل فعال الى حالة الإكتئاب المرضي. نحن لا نعلم حقاً ما يسبب الخلل في نشاط السيرتونن بشكل قاطع أو الميكانيكية التي تؤدي الى ذلك ولكن نعلم أن ذلك الخلل يؤدي الى الإكتئاب وأن النجاح في تعديل نشاط السيرتونن يؤدي الى التخفيف من تلك الحالة.

ومع انه لا يوجد إحصائيات دقيقة خاصة بمرض الإكتئاب ونسبته بين مثلي الجنس والأقليات المثلية الأخرى، خاصة في أوساطنا العربية، إلا ان كثيرا من الدلائل تشير الى ارتفاع نسبته بينهم وبالتالي نسبة الإنتحار بين الأفراد في هذه الأقليات الجنسية. فما سبب ذلك بين هذه الأقليات الجنسية وما يمكن عمله لعلاج الإكتاب او تجنبه وتجنب الانتحار خاصة في أوساطنا العربية والإسلامية؟

لا شك بأن الحالة النفسية لمثلي الجنس والأقليات الجنسية الأخرى هي حالة مؤلمة للكثيرين إذ أن وجودنا كأقليات جنسية هو أمر غير معترف به من ناحية طبيعية ولذلك فهو للأغلبية أمر لا يستحق الإحترام من قبل من هم حولنا. نحيا حياتنا في محيطات تنبذنا ولا يوجد هناك من يفهمنا أو يحترمنا. كل الذي نسمعه عن أمثالنا منذ مراحل نمونا الأولى هو أننا حثالة وفسقة وشواذ ومنحرفين ومخالفين للشرع والدين ونهز عرش الرحمان عند ممارستنا للجنس المحذور. لا أمل لنا في أن نحيا بكرامة إنسانية، لا في الحاضر الملموس ولا في والمستقبل القريب، ومصيرنا بعد الموت هو الى نار جهنم في عذاب أبدي. نسمع هذا ممن هم حولنا وأقرب الناس إلينا ويسير بنا الطريق الى الإيمان به، فكيف بنا أن لا نكتئب؟ أهلنا يكرهوننا وعائلاتنا تنبذنا، وأصدقائنا يستهزئون بمن هم أمثالنا، فكيف بنا أن لا نكتئب؟ نحاول التغيير بتنوعنا الجنسي كي نعيش كما هو منتظر منا، ونفشل، فنحاول مرة أخرى ونفشل، ونحاول ونحاول ونفشل ونفشل، فكيف بنا أن لا نكتئب؟ نلوم أنفسنا على كل ما حتمه علينا مصيرنا، فنحن بلينا بأنفس أمارة بالسوء ولا نملك القدرة على تغييرها، فلا بد إذا أن نكون السبب في مبتلانا، فكيف بنا أن لا نكتئب؟ إرادتنا ضعيفة جداً ولا نستطيع تغييرها رغما عن كل المحاولات، فكيف بنا أن لا نكتئب؟ الجميع من حولنا يبدوا قادرا على المضي قدما في حياتهم بنجاح وبساطة، ولكن الأمر صعب علينا وهمه كالجبال، فكيف بنا أن لا نكتئب؟ من حولنا يسير في ضمن الطبيعة الإجتماعية المتوقعة منهم والحياة مسهلة لهم، ولكنّ كل شيء من حولنا هو مخالف لنمطنا الحياتي، فكيف بنا أن لا نكتئب؟ شخصياتنا ضعيفة  ويستهزأ بكثيرنا ونضرب ونوبخ، فكيف بنا أن لا نكتأب؟ نحن نعيش في مجتمعات لا تعي حقيقة وجودنا ولا تحترمنا، بل تؤمن بقتلنا وعزلنا وإزالتنا عن الوجود، فكيف بنا، حقاً، أن لا نكتئب؟

الحقيقة هي أن الإكتئاب المرضي هو السبيل الطبيعي الذي يتحتم على الكثيرين سلوكه. نحن فئة مظلومة الى حد مؤلم. الوضع من حولنا مستأزم وقد لا يكون في تغييره أي أمل قريب، ولكننا لا بد أن نسعى الى تغيير ذلك وأن نجد في أنفسنا القوة والأمل في السعي قدما نحو الإصلاح. لا بد لنا من الحياة. الحياة هي أمر جميل وفرصة من السماء. قد يسعى غيرك لحرمانك منها، فلا تدعهم! من هم لكي يسلبوك الحياة لأنهم على جهل بفضيتك؟ عند اختيارك بينهم وبين الحياة، فإنهم لا شيء، لا شيء! حياتك ثم حياتك ثم حياتك.

قد لا يكون بإمكاننا ان نغير الوضع جذريا في الوقت القريب ولكنّ بإمكاننا أن نحسن من نفسياتنا وأن نؤمن بأزليتنا في هذه الحياة وأننا وجدنا لنبقى وأن العدالة السماوية لا بد بالنهاية أن تسود، ولعل ذلك قريب. لا بد لنا من أن نساند بعضنا كأقليات جنسية لان من حولنا لن ينفعوننا بذلك ولا بد من أن نساعد بعضنا. ما الذي بإمكانك فعله لمساعدة نفسك على العيش رغما عن كل الخراب والجهالة والأسى، وما الذي بإمكانك فعله لمساعدة الآخرين في وضعك؟ هذا هو السؤال الصحيح أيها الغالي العزيز، وليس ذاك الذي يؤدي بك الى السبات والممات. أنت لست وحدك ممن يعاني من ظلم جارح لإنسانيته وكيانه، والتفكير بالإنتحار لا يعني أنك حقا تريد الموت، ولكن الألم من حولك وصل مرحلة مستعصية أكبر من قدرتك على التعامل معها في ذلك الوقت. فكيف بك أن تنقل نفسك من قعرك المظلم الى النور والضياء؟ كيف بك أن ترقى على من هم حولك وان تكون سببا لتقدم القضية وأن تساعد المحتاج؟ نحن بحاجة الى كل شخص منا لكي نغير أوضاعنا، فلا تكن ثقبا آخراً في نسيجنا. نحن بحاجتك وقضيتنا بحاجتك.

إذا كنت تعاني من الكآبة النفسية المرضية وخاصة إذا كنت تفكر بالإنتحار، فأنا أرجوك أن تطلب المساعدة وأن تحاول أن تزور طبيبا نفسيا متفهما بالوضع. أنا أعلم أن الأطباء النفسيين الذين هم على كفائة بفهم المثلية الجنسية وغيرها من الظواهر الجنسية الأقلية في أوساطنا العربية والإسلامية، هم شحيحون، ولكنهم موجودين. اذا أردت المساعدة في إيجاد طبيب نفسي متفهم، فأرجوك مراسلتي وسأحاول ما بوسعي المساعدة. أنا لا أعدك أنني سأنجح ولكنني سأحاول. إذا كنت أيضاً طبيبا نفسيا وبإمكانك المساعدة، أو إذا كنت تعلم عن طبيب نفسي حذق في إحدى الدول العربية، فأرجوك أيضاً مراسلتي.  عنواني البريدي هو


أنا أعلم أيضاً أن زيارة العيادة النفسية وتناول الأدوية النفسية هو أمر مشبوه في أوساطنا العربية، ولكن هذا لأننا نجهل الكثير من الحقائق. أنا ذهبت في الماضي لعدد من الأطباء النفسيين وكان بعضهم ذو منفعة وبعضهم كان عقيما.  أخذت أيضاً  دواء الكآبة في الماضي وساعدني كثيرا في أسوء مراحل من حياتي. لا تستطيع أن تحكم على العلاج حتى تجربه، ولكن أيضاً يجب أن تكون حذقا فليس كل طبيب هو طبيب جيد وليس كل دواء هو دواء مناسب. المهم هو أن تسعى الى طلب المساعدة وأن تأخذ بالأسباب. أنت إنسان جميل كان ضحية لجهل مستفحل من حولك، لا تدع غيرك يحدد مصيرك. سيتغير الوضع، بلا شك، وسنعمل سويا على تغييره.

عدا عن الدواء وزيارة عيادة الطبيب والمداومة على العلاج، فأنا أحثك أن تحاول البعد عن كل شيء يضايقك وأن لا تستلزم الوحدة والعزلة ولا بد أن تحيط نفسك بأصدقاء يفهمونك ويجلبون لك الفرح والسعادة، وأن تبتعد عن أولئك الذين هم على تشاؤم وحزن دائم. لا تجلب الحزن لنفسك، لأن فيك ما يكفيك! إذا لم يكن لديك أصدقاء من هذا النوع، فأرجوك أن تبحث عنهم.  صديق واحد جيد ومتفائل من شأنه أن يغير حياتك وأن يساعدك على أن تجد اللذة في هذه الحياة خاصة عندما تنغلق أمامك كل الأبواب الأخرى. نحن المثليين وغيرنا من الأقليات الجنسية الأخرى موجودين في كل مكان ولا بد أن نساند بعضنا.  إذا كنت في حيرة من أمرك أو هناك شيئا محددا يضايقك أو إذا كنت تريد مساعدة ما في أمر ما او حتى التحدث لشخص يتفهمك، فأنت دائما مرحب بك، فراسلني أو راسل مجلة أصوات، وسنقوم بما وسعنا لمساعدتك إذا كان ذلك بالإمكان. فأنت قضيتنا ونحن نحبك



بقلم ماهر الحاج
مقتطف من مجلة أصوات
إلى الأعلى