الأربعاء، 27 مارس 2013

كيف يعيش مجتمع المثليين جنسيا في تونس؟

ان المتأمل في الواقع التونسي و العارف بتركيبة المجتمع فيه، لا يمكن أن ينكر أن المثليّة قديمة في تونس قدم التاريخ، فلا ريب أن فسيفساء المتحف الوطني بباردو تحمل بين خبايتها الكثير من قصص الحبّ و العشق بين المثليين في قرطاج، و المثلية اليوم في تونس تتخذ عدة أبعاد و زوايا سنحاول في مقالنا هذا أن نقف عند عدة محطات فنتبيّن نظرة المجتمع الى المثليين و طريقة تعامله معهم و نظرة المثليين لأنفسهم و طرق التواصل و التعامل بينهم، من هنا نتساءل :
من هم المثلييون في تونس ؟ كيف ينظر اليهم المجتمع ؟ و كيف ينظرون لأنفسهم ؟ أين يلتقون ؟ كيف يتواصلون و كيف يمارسون حياتهم اليومية ؟

المثلية من منظار المجتمع التونسي
لا يختلف عاقلان في أن المجتمع التونسي لطالما كرّس عقيدة التسامح مع الأقليات، فتونس هي البلد العربي الوحيد الذي يعيش فيه اليهود مع المسلمين دونما تفرقتهم في أحياء خاصة بهم بل يعيش اليهود التونسيون في جزيرة جربة جنبا الى جنب رفقة المسلمين و يتعاملون معهم من كل النواحي سواءً التجارية أو الإجتماعية، و الأمر لا يختلف كثيرا مع المثليين فهم و لئن مثّلوا أقلية و نقصد هنا أولئك المثليين البارزين على الملآ فلا يمكن أن تجد حيا في تونس ليس فيه مثلي بارز و معروف عند الجميع و هو عادة ما يكون أنثويا في حركاته و سكناته و صوته و تصرفاته و عادة ما يعرف بلقب يوسم به للتندر و التفكه ك"علي دجيجة" و "سمير وهبي" و غيره، و الأمر نفسه للمثليات فالمرأة المثلية في تونس تسمّى "عيشة راجل" و قصة عيشة راجل قصة يحفظها كل التونسيون عن امرأة مسترجلة فاقت في الشجاعة الرجال و باتت كنيّة تكنّى بها كل امرأة مسترجلة من وجهة نظر التونسيين أو كل مثليّة.
و من هذا المنطلق فالمثليّة في تونس تصوّر على أنهـا أشخاص يعانون خللا هرمونيا يجعلهم أكثر أنوثة أو أكثر رجولة و ينظر اليهم على أنهم ليسوا الاّ مدعاة للضحك و لعل واقع الإعلام قد كرّس هذه النظرة للمثليين في تونس فالمثليّة في الإعلام لا تطرق الّا كموضوع للضحك فأن تكون أحد شخصيات مسلسل مـا مثلية يعني أن تكون هذه الشخصية كوميدية بالدرجة الأولى فيقع تصوير المثلي على أنه شاب مائع مخنث يتحرك كالفتيات و يتكلم مثلهن و يتصرف كتصرفاتهن، يحب ارتداء الألوان الأنثويّة و كل ما من شأنه أن يمنح صورة مشوهة عن المثلي لا تعمل الى معالجة الواقع المرير بل تقولب لهدف الإضحاك فقط و لعلّ شخصية "ميدو" في السلسلة الهزلية "شوفلي حل" خير دليل على هذا، فميدو يجسّد صورة مزيفة عن المثلي تقدمه للمجتمع على أنه شاب مدلّل ماجن، أنثى في شكل رجل.
الاّ أن هذا التصوّر للمثلي في تونس قد نمى بموازاة تصوّر أخر يذهب الى القول بأن المثليين ليسوا الاّ شرذمة من الكفّار الملحدين المرضى عقليا و نفسيا الذين لا يستحقون الاّ النبذ و الإقصاء و بدل الإضحاك فإنهم يكونون مجالا للسبّ و القذف فأن تقول لرجل في تونس "يا مأبون" فإنها شتيمة كبرى في حقّه، فتونس و لئن كانت بعيدة نسبيا عن الشرق الاّ انها لا زالت تحافظ بقوة على عادات الرجل الشرقي فالرجل في تونس مقولب في قالب واحد و هو أن يكون رجلا فحلا زير نساء فأهم حديث بين الشباب التونسيين هو عن الفتيات اللاتي واعدنهن

المثليّة من منظار المثليين
لعل أهم سمة يتميّز بها المثلييون في تونس هي نسبة الوعي المرتفعة عندهم بخصوص الأمراص المنقولة جنسيا فتونس من أقل البلدان العربية التي ينتشر فيها مرض السيدا و ذلك لإنفتاح الأشخاص فيها على طرق الحماية و الوقاية من هذه الأمراض و خاصة الواقي الذكري، أمّا في خصوص طرق التواصل بين المثليين فتبقى شبكات التواصل الإجتماعي أهم طريقة للتواصل بين المثليين فبعض صفحات التواصل يجتمع فيها أكثر من خمس عشرة ألف مثلي تونسي، الآ أن أهم مشكلة في تونس تتمثل في أن أغلبية المثليين يبحثون عن علاقة فراش فقط تدوم ليوم أو لبضعة أشهر و تنتهي، فقليلة هي تلك العلاقات التي تبنى على  الحب و الصداقة بين المثليين في تونس، و للمثليين التونسيين أمــاكن معروفة يجتمعون فيها على غرار حمّام الشفاء وسط الأسواق في العاصمة التونسية و حمّام بنزرت و هما حمامان لا يرتادهما الاّ المثلييون و يمارسون فيهما الجنس بكل أريحية و دونما أي خوف، كما أنه توجد العديد من المقاهي المعروفة بتجمّع المثليين كمقهى "بانوراما" و "نجمة الشمال" و "بابا كليب"، هذا و يسجّل المثليّون حضورهم أيضا في العلب الليّلية و لعل أهمّها "بيس آند لوف"²
و من هنـا فإننا يمكن أن نقول ان المثليّة في تونس و لئن لازالت ظاهرة يعيش أصحابها تحت عباءة الإخفاء فيرتدون لبوسا غير لبوسهم و يتقنّعون بقناع الغيرية فإنها تظل ظاهرة موجودة و بقوة، فالمثّليون  في تونس ليسوا شرذمة و قلة كما يتصوّر المجتمع بل هم فئة وقعت بين سندان القانون الذي يجرّم المثّلية و يعاقب على ارتكابها بالسجن و مطرقة المجتمع، هذا لا يرحم و هذا لا يرحم

--> هذا المقال مقتطف من العدد 10 من مجلة أصوات
إلى الأعلى