الأحد، 13 يناير 2013

رواية "مينا" لسحر مندور: قصّة حبّ مثلية في مجتمعٍ يترقّب "الفضيحة"



"حين تبدأ بقراءتها، سيصعب عليك أن تغلق الكتاب قبل الوصول الى الخاتمة. رائحة من السلاسة المشوّقة تعبق بها رواية "مينا"، هي أشبه بقبلة دافئة على جبين كل من يشعر أن في تفاصيلها ما يشبهه. " .. هكدا وصفت الرواية على احد المواقع الالكترونية

"مينا" هي الرواية الرابعة للكاتبة والصحافية سحر مندور، وقّعتها قبل اسبوعيين في جناح دار الآداب، ضمن المعرض العربي الدولي للكتاب 56. استعمال الأسلوب السلس في سرد الأحداث، والجمل القصيرة والبسيطة، قرّب القارئ من النص، وأبعده عن الملل في الغوص داخل عبارات ثقيلة تحتاج جهدا لفهمها أو تفكيك رموزها.

"ما كتبته هو شبيه الى حد كبير بعلاقتي ببيروت. مدينة تتدخل في سياق القصص، وتعيد تشكيلها. دينامية حب شخص، مثل الإنتماء الى مدينة". هكذا تستهلّ الكاتبة سحر مندور كلامها ضمن حديث لـ "NOW" في أحد مقاهي الحمراء. وتتابع: "حين كتبتُ روايتي، أحسستُ أن هناك مواضيع فرضت نفسها عليّ دون أن أقوى على تجاهلها. كما شعرتُ بأني مسيّرة في هذه القصة باتجاه التّتمة".

الرواية تحكي قصة ممثلة ثلاثينية العمر (مينا)، تترافق نجاحاتها مع أحداث أليمة تغزو حياتها. تتعرض لفضيحة تطال جانبها الشخصي، إذ يتم نشر صور لها في السرير عارية مع حبيبتها (كرمة). تليها أحداث سفرهما الى باريس، ومن ثم خيانتها كرمة إثر ضغوط نفسية كبيرة عليها. مروراً باختفاء هذه الأخيرة من حياة مينا بعد تأزم الوضع في علاقتهما.

تتخلل الرواية مقاطع لأشخاص بمرحلة الثلاثين من العمر، يروون ذكرياتهم عن الحرب اللبنانية. تردّ سحر تلك القصص الصغيرة التي تمر خلال الرواية بشكل "فلاش"، الى أنها بمثابة إسقاط من حياتنا اليومية على الرواية : "الحرب تلعب دوراً  كبيراً في اللعب بذكرياتنا. وهي التي تحدد سياق حياتنا ومَن نحن الآن. إذ لم يسلم أحد منها، بشكل مباشر أو غير مباشر. وبالتالي فهي حاضرة دوماً في أحاديثنا اليومية بشكل مستمر".

الاستسلام لأحداث الرواية والرغبة في معرفة المزيد، يجعل القارئ منصهراً في بواطنها بحميمية هانئة. تحبس أنفاسك حيناً. تنتظر. تخاف. تفرح، وتحزن في الوقت ذاته. تتعاطف مع إحدى الشخصيات، وفي تتابع الجملة نفسها تعود الى لوم الشخص ذاته والغضب منه.
هذا التقديم الروائي لشخصيات متقلبة في سلوكها، يعكس شخصية كل إنسان، التي تحتمل الوجهين. "إذ لا أحد مليء بالخير أو الشر بشكل مطلق. وكل شخص مخوّل أن يتغير باستمرار"، تؤكد سحر.

من جهة أخرى، نجد أن "مينا" تحمل بين سطورها يداً ممدودة نحو فئة من المجتمع (المثليين)، غالباً ما تشعر بأنها مهمشة، أو يتم التعامل مع أشخاصها على أنهم كائنات خرافية غريبة، بحاجة لتعاطف أو علاج، وصولاً حتى إصدار الأحكام بالنبذ أو حتى "المطالبة بحرقهم".
هذا يأتي في سياق إدانة المجتمع لكل ما هو مختلف، كي يحافظ الناس على اطمئنانهم على أنفسهم، وعلى رضا المؤسسات الدينية والمجتمعية عليهم.

لم تتردد سحر في طرح هذا الموضوع بجرأة كبيرة، مشددة على موضوع الحق بالخصوصية، على الرغم من تأكيدها أنها لم تقتحم الممنوع. إذ إنها ترفض التعامل مع موضوع المثلية على أنه "ظاهرة" أو "تابو". هذا ما يقوم به الإعلام الفضائحي، الذي يساهم في زيادة عزلة المثليين ويضعهم في "خانة الغرباء أو المنفيين".

بالنسبة لها، لم تهدف للانتصار لحقوق المثليين، بل "أمارس دوري في المجتمع بهدف تخفيف عنفه تجاه نفسه، ومحاولة تقبّل مساحات الاختلاف فيه". الرواية التي تسرد بين صفحاتها علاقة الحب بين الشابتين، تظهر بوضوح أن طبيعة العلاقة بينهما (الغزل، الحب، الشجار، الغيرة...) هي نفسها بين فتاة وشاب، من دون تصنيفات جندرية. وبالتالي فالرسالة وراء قصة حب مثلية، هي "محاولة لكي يألف الناس هذه العلاقة عند قراءتها، مثلها مثل أي قصة حب أخرى بين جنسين مختلفين" توضح الكاتبة، أي دعوة الى التأقلم مع أنماط مختلفة من البشر.

تماماً كما قدّمت روايتها للقراء، بعفوية وصراحة وجرأة، تنساب مندور في حديثها، وتختم بأن كل ما تكتبه مجتزأ إما من قصص شخصية وإما من قصص أشخاص محيطين بها في المجتمع.
فمعظم القضايا الحاضرة في الرواية "هي قضايا أدعمها دوما في مقالاتي وحياتي اليومية، من الحرب وأثرها على أهل المخطوفين مثلاً، الى مسؤوليات القاتل والمقتول، للمثلية والحق بالخصوصية، إضافة لامتلاك المرأة الحق بجسدها واستقلاليتها فيه"، بحسب قولها.
إلى الأعلى