السبت، 22 ديسمبر، 2012

المثلية الجنسية في الرواية العربية



شكلت المثلية الجنسية أحد المواضيع الجاذبة للرواية العربية، وتأتي جاذبيتهـا مـن كـونها موضوعـا مثيـرا و مسكـوتا عنــه فـي آن. وتناولـت الروايـة موضوع المثلية بشقيه الذكري والأنثوي، معالجة موضوعا كان يعتبر إلى القريب واحدا من المحرمات الممنوع تداولها روائيا، رغم وجودها بكثرة في كتب التراث العربي الإسلامي.
وعالجت بعض الروايات الموضوع بشكل عرضي من خلال مشهد عابر ضمن سياق الـرواية، أي اكتفـت بالإشـارة إلــى وجـود الظاهـرة دون التطـرق إليها، وبعضها الآخر عالجه بشكل جذري جاعلا منها موضوعا للرواية برمته.
ويمكننا أن نلاحظ في الفترة الأخيرة تكاثر الروايات التي تتحدث عـن المثلية الجنسيــة، ومنها "شارع العطـايف" الصـادرة حديـثا عن دار الساقـي للـكاتب السعودي عبد الله بن بخيت، ورواية "رائحة القرفة" لسمر يزبك، و"أنا هي أنت" لإلهام منصور، وقصة " الدرس الأول" لصاحب هذه السطور في المجموعة القصصية "خطأ انتخابي" الصادرة حديثا عن دار الساقي, إضافة إلى مذكرات محمد شكري في "الخبز الحافي" التي تعتبر من الأعمال الأولـى التي تحدثت بجرأة عن هذا الموضوع فاتحة الباب لطرح الموضوع من أوسع أبوابه.
ولكـن قبـل محمـد شكـري سبـق لغـادة السمـان أن عــالجت موضــوع المثلـية الأنثويـة فـي إحــدى قصصها وكـذلك نــزار قـبانـي فـي إحـدى قصائـده : مطـر.. مـطر.. وصـديقتها معهـا، ولتشـرين نواح والباب تئن مفاصله ويعـربد فـيه الـمفتاح شيء بينهمـا .. يعرفه اثنان ، انا والمصباح وحكاية حب .. لا تحكى في الحب ، يموت الايضاح
الحجرة فوضى . فحلى ترمى .. وحرير ينزاح ويغادر زر عروته بفتور ، فالليل صباح الذئبة ترضع ذئبتها ويـد تجـتاح وتجـتاح ودثـار فـر .. فواحـدة وانهـد وشاح
حاولت الروايات التي عالجت موضوع المثلية فهم المثلية الجنسية وطبيعتها وأسبابها لدى معتنقيها. فرأى بعـض هذه الأعمال أن الأمـر مكتسـب عـن طريق التعرض لاعتداءات نفسية في الطفولة وبعضها أعاده إلى أسباب طبقيـة واجتماعـية يأتـي الفـقر فـي مقدمتهـا وقلـيل منهـا أعـاد الأمـر إلـى موضوع جيني فطري يجعل من صاحب الهوية الجنسية المثلية حائرا بين مجتمع يرفض هويته وبين نوازعه وشهواته التي تضغط علـيه بشـدة فيعيـش حالة من اللا توازن والخوف.

المثلية كنتاج لأسباب اجتماعية طبقية
عالجت سمر يزبك في روايتها " رائحة القرفة" موضوع المثلية الجنسية من خلال علاقة سيدة بخادمتها، حـيث تـدخل علاقـة السـيد والعـبد بقـوة فــي تحليل العلاقة المثلية، محيلة الأمر في أحد جوانبه إلى علاقة سيطرة فيها خاضع و مخضوع. فالسيدة تفرض قوتـها عـلى مخدومتـها لتغـدو الأخيـرة خاضعة لها لا بفعل مثليتها بل بفعل ضعفها. فهي مجرد فقيرة لا تستطيع رفض طلب سيدتها ووليـة نعمتهـا. وـمن جهـة أخـرى فـهي بحاجـة إلـى حنان (أيا كان هذا الحنان). ولكن بعد فترة من العلاقة نجد أن الأمور تنقلب فتصـبح السيدة عبـدة بين فـخذي مخدومتهــا، وتصبـح الخادمـة سيـدة فـي الليل وخادمة في النهار. ونجد أن الخادمة تسعى لفرض سلطتها من خلال انتقامها من سيدتها التي نهرتها يومـا لأنـها نسـيت نفسهـا فـي فراشها حتى الصباح. فتقيم علاقة مع زوجها لتنتقم من سيدتها التي أهانتها، الأمر الذي يجعل من ممارسة المثلية لدى الخادمة مجرد سبب لتحقـيق أهـداف معينة أي أنها مثلية عارضة، مكتسبة بفعل خارج فرضها لأسباب اجتماعية (الفقر) وطبقية(علاقة السيدة بخادمتها).
أما بالنسبة للسيدة في الرواية فنجد أن المثلية أيضا تبدو مكتسبة فهي ناتجة عن إهمال الزوج وغـياب الحـب وفـراغ الوقـت و نتيجـة الإحسـاس بثقـل القيم الزائفة التي يفرضها مجتمع الطبقات المخملية, أكثر مما هي حاجة داخلية لدى السيدة أي أنها تعويضا عن غياب ما. هنا نلاحظ أن سمر يزبك في روايتها تعيد المثلية الجنسية إلى أسباب خارجية تفرضها عوائق الحياة ، ويمكـن لهـذه المثليـة أن تختفـي بمـجرد انتفـاءالأسباب المؤدية لها. ويمكن القول أن الرواية لم تسع لفهم الأسباب الداخلية لشخصياتها إذ عالجت أسباب الخارج ونسيت أسبــاب الداخـل، فبقيـت الروايـة تعانـي نقصـا مـا، ولكنها رغم ذلك سلطت الضوء على جوانب هامة من المسكوت عنه روائيا.
في مذكرات محمد شكري الرائعة " الخبز الحافي"، يروي محمد شكري كيفية اصطـحاب أحـد الاسبانييـن لـه فـي سيارتـه، ليأخـذه علـى منطقـة معينـة ويقوم بعدها بعملية مص لعضوه الذكري وبعد الانتهاء يقوم الاسباني باعطاء محمد شكري بعض النقود وهنا يكتشف محمد شـكري أن جسده يـدر المال، فيقوم بممارسة هذا الشيء عندما يعضه الجوع، وبعدها لا يذكر محمد شكري أي أثر لممارسته المثليـة. بـل نـراه يـسرد علاقـاتـه الكثيـرة مـع العاهرات، الأمر الذي يدل أنه اضطر إلى ممارسة المثلية بفعل الفقر لا أكثر ولا أقل، وهنا نجد أن السبب خارجي مفروض من الخارج بعيدا ن نزوعات الشخصية ودواخلها.
في روايته "شارع العطايف" يسرد عبد الله بن بخيت حيوات ثلاثـة شـبان سعـوديين يعيـشون في شـارع العـطايف(فحيج وسـعندي شنغافة). شـارع فـقير مهمل تجتمع فيه كل أسباب الانحراف. شارع تفرض فيه علاقات القوة سطوتها على الجميع. الأمر الذي يجعل من المثلية ناتجا مفروضا من قبل الأقوياء على الضعفاء، حيث نجد شخصيات مهزومة ومكسورة تشكل مثليتها عبئا عليها بالدرجة الأولى. فتضطر إلـى ممارسـة الجنـس المثـلي بسبـب الانغلاق و التوق إلى أنثى غائبة يصعب رؤيتها والالتقاء بها في مجتمع مغلق، وبسبب التعرض للاغتصاب فـي الطفولـة، وبسبـب وجـود طاقـة جنـسية لا يمكن تفريغها إلا من خلال العلاقات المثلية. فتصبح المثلية مجرد جسر لتفريغ المكبوت. حيث نلاحظ أن شخصيات الروايـة تحلـم بالـزواج كـي تتخلـص من واقع مثليتها، فهي في الداخل تحتقر مثليتها أو اضطرارها لممارسة المثلية وتنظر لها كعيب ينبغـي التخلـص مـنه، منتـظرة أن تسنـح لهـا فـرصة
الزواج كي تتخلص من مثليتها، ولكن أقدار الرواية تجنح بها نحو مصير واحد ينتهي بها إلى الموت.
في الروايات الثلاث السابقة نجد أن المثلية ناتجة بفعل خارجي يفرض ثقله على الشخصيات فتجبر على ممارسة المثلية، وأغلب هذه الأسبـاب اجتماعـية
- طبقية: الفقر وعلاقة السيد بالعبد و خضوع العبد لسيده وسعيه للانتقام منه عن طريق إخضاعه له جنسيا بجعله موضوعا لرغبته الجنسية. أي نجد أن الروايات تنظر ضمنيا للمثلية كمرض اجتماعي ينبغي التخلص منه. عيب اجتماعي ينتهي بمجرد انتفـاء الأسـباب المؤديـة لـه، فـلا نجـد فـي الروايـات إي موقف داع إلى حرية الشخص في اختيار هويته أو أي دفاع عن المثليين أو تبنّ لقضيتهم ولو بشكل موارب. بل على العكس نجد فـي "شـارع العطايف"
وضوحا في إظهار المثلية كعيب حتى إن الشخصيات نفسها تسعى للتحرر من مثليتها وتخـجل منـها. أما فـي روايتي "رائحة القرفـة" والخـبز الحــافي" فنجد أن الأمر مستتر وليس واضحا تماما. ولكنه لا ينظر إليه من زاوية الحق في تحديد الهوية الجنسية الخاصة بكل فرد، فلا نجد خطابا تحرريـا يسعـى لجعل الموضوع خيارا فرديا بل هو يرد الأمر إلى أسباب خارجية بعيدا عن مناقشة دواخل الشخصيات.

المثلية كنتاج لأسباب جينية/ داخلية
تعتبر رواية " أنا هي أنت" الرواية الوحيدة التي عالجت موضوع المثلية الجنسية من خلال رؤية تحررية تنظر إلى المثلية كحق من الحقوق الفردية التي
لا يحق لأحد التدخل فيها.
تحكي الرواية قصة سهام التي تكتشف مثليتها أثناء دراستها في فرنسا حيث تتعرف على صديقتها كلير لتعيش معها قصة حب نادرة, إلى أن تأتي
أم سهام لزيارتها، فتضطر سهام بحكم تربيتها الشرقية وانتمائها إلى ثقافة ترفض هذا الأمر إلى إخفاء الأمر والابتعاد عن صديقتها كي لا تكتشف
أمها علاقتها مع كلير. ولكن صديقتها كلير تتذمر من هذا الوضع وتطلب من سهام حسم موقفها وتنتقد ضعفها أمام أمها وعدم دفاعها عن
حريتها وحقها في اختيار هويتها الجنسية فتنفصل عنها.
تعود سهام إلى لبنان الغارق في حربه، تحمل معها حيرتها وهويتها الجنسية التي لا تعرف كيف تتعامل معها في مجتمع لا يعترف بأمر كهذا.
فتسعى لفهم هويتها وكيف تكونت لديها، فتتذكر طفولتها حيث ترى بين الحلم والواقع يد أمها أو جدتها وهي تدغدغ لها ظهرها في الطفولة،
لتبدأ هويتها بالتشكل من هناك أو ربما كان هذا الأمر هو المحفز الأول الذي بدأت تعي معه ميلها نحو الإناث ونفورها من الرجال.
تتعرض سهام لنكسة جديدة بعد تخلي صديقتها اللبنانية عنها وذهابها إلى أحضان رجل أحبها في خريف عمرها. فتسعى سهام لكامل طاقتها
لاستعادتها، فتذهب إليها وتتذلل لها إلى أن يقوم الحبيب الجديد لصديقتها بتهديدها بالقتل، فتبتعد مذعورة، خائفة مرتبكة، تبحث عمن يسمع لها
ويمسح جروحها ويهدهد شهوتها. فتجد ضالتها لدى أستاذتها في الجامعة "ليال" التي تستمع لها وتحاول سهام استمالتها، فترفض الدكتورة
ولكنها تبقي على علاقتها معها كصديقة، لنكتشف في نهاية الرواية أن ليال هي الأخرى مثلية !
تبين لنا الرواية حيرة سهام وضياعها بين مجتمعها الذي يرفضها وهويتها التي تبحث عن حقها في الإشباع، فالأم تقول لها بلهجة قاسية تعكس
نظرة المجتمع : أموت ولا أريد أن أعرف أنك منهن!
وتدخل الرواية عالم المثلية الأنثوي من خلال تسليطها الضوء على حالات مختلفة : سهام التي لا تجد نفسها إلا في المثلية الأنثوية، وميمي المتزوجة
التي تمارس الجنس المثلي بعد أن مارست الغيري.
تذهب الروائية إلى موضوعها قادمة من منطقة الحرية التي تنظر للأمر من دائرة الحرية الشخصية التي لا يحق لأحد التدخل بها، مدافعة وإن بشكل
ضمني عن حق بطلتها في الاعتراف بهويتها وحقها في إشهارها، حيث نجد لغة متعاطفة مع البطلة، تشرح عذابها وضياعها وتشرّد شهواتها في
ممرات ضيقة ساعية لايجاد منافذ نور تعبر عن ذاتها من خلالها.
في النهاية، يمكن القول أن الرواية العربية عالجت موضوع المثلية وفق نظريتين اثنتين وهما السائدتان عالميا حتى الآن:
الأولى ترى في الأمر مرضا اجتماعيا - طبقيا ينشأ عن ظروف معبنة تتعرض لها الشخصية في الطفولة (اغتصاب – فقر- ..) ومثّل هذا الاتجاه روايات
"رائحة الفرقة" و"الخبز الحافي" و"شارع العطايف"..
الثانية عالجت الموضوع من قبل النظر له كمفهوم جيني أي أنّ الإنسان يولد ومعه نزوع جنسيّ غيريّ أو مثليّ أو ثنائيّ، وهذا يدخل في نطاق الحرية
الشخصية التي لا يحق لأحد التدخل بها، ناظرة إلى الموضوع من الداخل (الجيني ) و الخارج ( ضغوط مجتمع وفقر وموضوع طبقي) مثل " أنا هي أنت".


المـــراجــــع :
رائحة القرفة – سمر يزبك - دار الآداب – بيروت // شارع العطايف – عبد الله بن بخيت –دار الساقي – بيروت // الخبز الحافي – محمد شكري- دار الساقي
– لندن أنا هي أنت – إلهام منصور // دار الريس - بيروت أنا هو – إلهام منصور – دار الريس – بيروت // خطأ انتخابي – محمد ديبو – دار الساقي – بيروت
إلى الأعلى