السبت، 9 يونيو 2012

القصة الواقعية للمثلي انيس الفيلالي (مقتطفة من العدد 2 لأصوات)

قصة واقعية مقتطفة من العدد الثاني من مجلة أصوات


صعب أن تشاهد أمام عينيك و بصمت اسود مرور الشخص الدي لطالما عشقته دون ان تستطيع البوح له بكل ما حمل قلبك من حب له…صعب ان تشاهد احلامك تتلاشى امام عينك دون ان تحرك ساكنا…صعب ان تدرك انك لا تملك ادنى فرصة لتعيش الحياة كما اردتها دائما…لكن الاصعب هو ان تدرك كم انت مختلف عن باقي الناس…ان تدرك ان اختلافك هدا قد يبعدك كل البعد عن انتمائك  لدائرة البشر في نظر البعض…الأصعب هو أن تشير كل الاصابع الى اختلافك الواضح, أن ترميك الأفواه بكلامها القاسي من وراء ظهرك و أنت…أنت تحاول جاهدا إظهار عدم اهتمامك لما يقال, مدركا أن كل هده المعاملات ستخلف في قلبك فجوات عميقة, قاتلة بدالك كل معالم الانسانية التي علمونا اياها ايام المدرسة…الاصعب عزيزي القارئ هو ان تقنع نفسك لسنوات عديدة انك شخص اخر غير الشخص الدي انت عليه, أن تتحمل كل درجات نكران الدات فقط لترضي مجتمعا ابى ان يساعدك في محنة الاختلاف هته…الأصعب هو أن تخوض حربا ضارية طويلة الأمد, طرفها الأول أنت و الثاني مجتمع ساخط…


بدا كل شيء هناك...بعيدا هناك...لا يهم المكان أكثر من أهمية الأحداث نفسها...أكثر من قسوة الزمن نفسها…كانت الساعة تشير الى التاسعة ليلا حسب ما قالته جدتي…ليلة ليست كباقي الليالي... كانت آهات أمي الخافتة تسمع في أرجاء البيت معلنة عن قدوم حياة جديدة الى احضان هده العائلة الدافئة…ما هي الى ساعات قليلة حتى رن هاتف البيت...حملت جدتي السماعة لتطلق بعدها أحلى زغاريتها…( الحمد لله يا امي..انه ولد...نعم انه ولد)…كنت كالملاك…بل ملاك طاهر حط على ارض جديدة…ملاك مغلف بدفء وسط رداء ناصع البياض...مرت أيام قليلة لم تكن كافية حتى لأرفع جفوني أو لاستشعر الأجواء من حولي...لازلت ملتفا وسط نفس الرداء و تساؤلات أمي تلوح في الأرجاء عن الاسم الدي سيليق بي…حسن, خالد, هشام, مصطفلى…كلها اسماء روتينية تعود الناس على سماعها…ارادت اسما بطابع خاص اسما مختلفا يحمل الكثير من السحر…هيثم…نعم هيثم انيس…تركيبة جذابة تجعلك تتصور جمال حاملها حتى قبل أن تراه

مرت السنوات و مع مرورها بدات اكبر شيئا فشيئا…كانت الأجواء خيالية أنداك, كنت في الزمن و المكان المناسبين, أعيش حياة أكثر من طبيعية…أم حنون, أب رائع و اخوة مشاكسون مظاهر العائلة المثالية, عائلة ما كنت لأتخيل أحسن منها...بدت طفولتي بل حياتي ككل أكثر روعة من تلك الزاوية, لم يشغل بالي أي شيء أكثر من اللعب و تدبير المقالب, طفل كثير الحركة, طفل رائع, طفل خفيف الظل, طفل سابق لعمره, كانت هده هي المواصفات التي أتلقاها يوميا من صديقاتي أمي...كان اغلبها صحيحا و بعضها الأخر مبتكرا أو صورة تكميلية لإخفاء عيوبي. هيثم شخص محبوب, شخص غني عن التعريف, الكل يتمنى طفلا في مثل مواصفاته النادرة...كلام لم افهم معناه لكنني اعتدت سماعه دون مبالاة.
كانت أمي تحمل لي حبا كبيرا في صدرها ما جعلها تتعلق بي لدرجة التملك…كنت دائما الى جانبها في جميع نشاطاتها اليومية بل و حتى في جميع الخرجات والمناسبات…متباهية بجمالي الاخاد و شعري الاشقر الناعم و لون بشرتي الفاتح… نسخة طبق الأصل عنها...لم أكن انزعج من وجود النساء من حولي, أو أتضايق من تساؤلاتهن المتكررة عن كوني ولدا أم بنتا, كانت كل هده أمورا تفوق فهمي أو طاقة استيعابي, لم أدرك عندها الفرق الشاسع بين الفتى و الفتاة أو قسوة الشعور الذي يخالجك عندما يطرح عليك سؤال من هدا النوع, لان أمي كانت دائما بجانبي لتجيب عني (طبعا هو ولد لكن بجمال مميز, فاق جمال الفتيات...الفتيات...الفتيات...).
مر الوقت و مع مروره غير الكثير من الاشياء…انا الان ابلغ من العمر ما لا يسمح لي بمرافقة امي لاي مكان, رغم صعوبة الامر بالنسبة لها الا انها اصبحت تقلل اجتماعاتنا الدائمة متيحة بدالك الفرصة لابي ليحل مكانها…نعم هي نقطة التحول من الطفل الى الرجل…لكن ليس لاي رجل...هنا يأتي دور الأب المثالي ليقف إلى جانب ابنه بعد جرعات الحنان المطولة التي منحته إياها أمه...ليصطحبه لمشاهدة مباريات كرة القدم في المقاهي المزدحمة وسط صراخ المشجعين الخشن و هتافاتهم التي تهز القلوب...لكن و للأسف يبدو أن الجرعات ستطول أكثر, فبدلا من تواجدي هناك, لازلت وسط أحضان أمي استأنس بعالمها الوردي.
أبي مشغول…أبي ليس هنا…أبي مسافر…أبي دائما متعب…أبي و بكل صراحة يتهرب من مسؤوليته اتجاهي مزيحا بدلك عبئا كبيرا قد اشكله له... أبي يفضل إخفاء نفسه في المكتب لساعات متاخرة حتى لا أتعبه بطلباتي.
إخوتي...اكبر سنا مني لدى لن اتعب نفسي في طلب رأفتهم و شفقتهم لأكون جزءا من اللعبة, و صلت تلك المرحلة التي اصبحت فيها وحيدا أمي هي المنفذ الأخير…أمي التي دائما ما اعتدت وجودها... التكلم معها…أن احكي لها… أن أقلدها…نعم أن أقلد حركاتها, ضحكاتها...و اهتمامها الزائد عن الحد بمظهرها.

 هكذا بدا نمو الجانب الاخر بداخلي…هكدا بدات اولى ملامح كياني بالظهور…كنت اجد متعتا فائقة في حظور الحفلات معها و مشاركة النساء الاخريات في الرقص و اللهو…كنت اجد راحة كبيرة في تحريك يدي دهابا و ايابا عند الكلام…و من الواضح ان ابي لم يمانع أبدا في دالك بل وجده مجرد مرحلة عابرة ستمر قريبا, أو ربما أدرك حينها خطورة الوضع, لكن تهربه الدائم من المسؤولية جعله يفضل الصمت عن الكلام و إصلاح الوضع…بينما كان ما يحصل أنداك مرحلة هدوء قبل العاصفة...عاصفة ستغير مجرى حياتنا أو بالأحرى حياتي بالأخص.

تستمر الأيام من جديد فهي لا تعرف التوقف أبدا...مع استمرارها نحاول جاهدين تحسين أوضاعنا  أو على الأقل تناسي واقعنا...الآن أنا مراهق, وصلت تلك المرحلة الحساسة التي تغفل عليها عقول آبائنا الجاحدة, اعتقادا منهم أنها من الطابوهات التي لا يجدر ذكرها... وصلنا من التخلف و الرجعية العقلية مرحلة لا نعترف فيها بفترة عمرية كاملة...فترة عمرية لها من الأهمية ما لا تملكه كل الفترات العمرية الأخرى...مرحلة يصبح فيها الشخص صفحة بيضاء تنتظر من الوالدين رسم لوحة لشخصية متجانسة عليها...لكن والدية الرائعين, والدية اللذان وصلى من الكمال درجة تمنعهما من الخطأ فضلى وضع لمسة من خطوط أنانيتهما و القليل من ألوان انعدام مسؤوليتهما, لرسم لوحة نادرة الوجود لوحة فاقة شهرتها شهرة لموناليزا, و فاق رعبها رعب لوحات غويا...تلك كانت لوحتي أنا...

بدأت التغيرات تظهر على جسدي النحيف...و على شخصيتي المتناقضة...بدأت اشعر بتلك الأحاسيس الغريبة التي تنتابني من حين لآخر, لكن براءتي كانت تمنعني من التفكير في أمور كتلك, كانت تمنعني حتى من معرفة ماهية المثلية الجنسية...نعم المثلية الجنسية...كلمة لم أدرك أبدا معانيها الكثيرة...فكل ما علموني إياه في ثقافتي الجنسية العقيمة هو حب الرجل للمرأة, لكن حب الرجل للرجل هو شيء لم أفكر حتى في إمكانية وجوده...هدا ما دفعني إلى تعذيب نفسي اشد تعذيب, كنت منعزلا عن العالم الخارجي, لا أصدقاء, لا أقارب و لا أحباب...فقط قصر كبير من الأحزان و الآلام قررت حبس نفسي فيه لابتعد قدر الإمكان عن العالم...حاولت أن احيي فيه كل تلك الشخصيات الخيالية التي لم يكن لها وجود في ارض الواقع القاسية, أصدقاء خياليون, أب و أم خيالين و هيثم خيالي...عالم منعزل رائع عشت فيه أحسن لحظاتي, لحظات لا تقدر بثمن لكنها كلفتني الكثير... مرت شهور لأجد نفسي أعاني من مرض التوحد, كانت شخصيات العالم الخارجي كافية لإرعابي و منعي من الخروج, الأزقة الخالية من أي بشري ساخط كان أكثر أمانا...و الطرقات المظلمة الحالكة من اجل الوصول إلى البيت كانت أكثر رأفة...لم اهتم بالمسافات الشاسعة التي كنت اقطعها يوميا أكثر من حرصي الشديد على عدم مواجهة أي بشري كان...كنت أفضل قضاء وقت الاستراحة المدرسية في المرحاض...نعم... أربع جدران ضيقة كانت تشعرني بالراحة أكثر من التواجد مع أبناء البشر الوقحين...أبناء لم يربوا على أن التكلم في عيوب الآخرين بصوت عال أمر سيئ و مشين, أو بالأحرى لم يخوضوا تلك التجربة التي تشعرك بان قلب يهوي للأسفل, تشعرك أنك غريب في وطنك, تجعلك تتمنى لو تطعنهم واحدا واحدا ثم تتغذى على دمائهم  الكريهة...


أصبحت مريضا...مريضا بكل معاني الكلمة...بكاء...بكاء ... بكاء
بدا الوضع يتفاقم, أصبحت في أمس الحاجة إلى طبيب نفسي بل و في أسرع وقت...طبيب نفسي؟؟؟ هل أنا اهدي أم أنني حقا ذكرت طبيبا نفسيا...طبيب نفسي في مجتمع لازال في ظلمات الجهل و التخلف هو ذنب فظيع...هو خطا لا بجدر ذكره بل و وثيقة تؤكد انك مجرد مجنون يجول هدا العالم, و هدا آخر ما يرغب به والدي... لم اعد أتحمل أردت خلاصي في اقرب وقت...فكرت كثيرا في الحل الأمثل, حل لن يكلفني الكثير, حل قد يمنحني خلاصي في اقرب وقت...قضيت أياما طويلة دون نوم, قضيت ساعات كثيرة شاردا أفكر في حل نهائي...آه لو تمكنوا فقط من سماعي, آه لو استطعت فقط أن احكي, آه من شدة تعاستك أيها البائس الصغير...لمدا أنت و ليس إخوتك...لمدا أنت و ليس أبناء حيك...لمدا أنت و ليس شخص آخر...لا إجابة, فقط صوت الصمت المعتاد داخل غرفتي, صمت أصبح يزعجني, صمت اقوي من أن أتحمله...

ترددت كثيرا, لست واثقا...ربما قد يتحسن الوضع قريبا...لكن صوتا عميقا يمنعني من التفاؤل, صوت بداخلي يحثني على تسريع قدري...بضع حبات من داك الدواء الذي تأكله جدتي قد تكون كفيلة في إنهاء محنتي هته...قد تكون كافية لإنهاء قصتي هته...لن أفكر طويلا, إن فكرت لربما سأعود عن قراري...لا لن أعود لأعيش في مثل تلك الظروف...كل شيء جاهر الآن و كوب الماء أمامي, توقفت لتفكير قليلا, أنا مسلم لدي رب رءوف, نعم املك إلها رائعا ينظر إلي الآن...الهي سامحني فأنت أدرى بما أنا عليه, أنت أدرى بان دموع عيني قد جفت...أنت أدرى باني انكسرت...و عزتك و جلالتك أنت أدرى بأنني تعبت...الهي أفضل عذابك على عذاب هدا المجتمع الذي كرهته من أول لحظاتي...كانت هده كلمات وداعي الأخيرة...لا رسالة و لا خطاب نهائي أردت فقط الانتهاء بهدوء و صمت...خمس حبات لا بل عشر حبات سأجعلها أكثر لأنهي الأمر بسرعة...ها قد أنهيت كوب الماء و أرجعت راسي للوراء...كانت الدموع تسلك نفس المسار الذي شكلته على خدي سنين متوالية...لم أفكر في أي شخص, فكرت فقط في طلب المغفرة من ربي على ما أقدمت عليه...الموت يسري بداخلي و أنا اتاسف بشدة لما آلت إليه الأمور...دائما ما كنت طيبا...دائما ما كنت مخلصا...دائما ما كنت بريئا اجعلها يا ربي أسبابا كافية لتغفر لي...فجأة لم اعد اشعر بشيء من حولي, وجدت صعوبة كبيرة في تحريك أطرافي أو حتى الهمس لطلب النجدة...يبدو أن مفعول الدواء بدا يظهر أسرع مما كنت أتوقع...أغلقت جفوني و استسلمت للأمر.

اسمع صرخات أبي, بكاء أمي...و تساؤلات إخوتي...كنت أرى صورا متقطعة كتلك الموجودة في أفلام الدراما الأمريكية...علمت أنني في المستشفى و الاسوء أنها كانت محاولة انتحار يائسة...فاشلة...حاولت استجماع قواي لأطلب منهم التوقف عن المساعدة...شعرت بالدموع الباردة تسيل على خدي...يا الاهي لا أريد العودة...لا أريد العذاب من جديد...لا أريد تكرار التجربة...اقسم أنني اكتفيت...أفكار كثيرة تجول داخل دهني, و أحلام مشوشة تزعجني و هواجس تنقض على قلبي الصغير اليائس...فقد وعي وسط هده الموجة الصاخبة من الأفكار... فغمر المكان صمت مزعج ثم لحظة هدوء طويلة...
قصة واقعية ارسلها لنا انيس الفيلالي 
مقتطفة من العدد الثاني من مجلة أصوات
إلى الأعلى